الصفحة 13 من 19

يتجاوزونه باسم الاستحسان، كما يوضحه قول السرخسي:"وَإِنْ اجْتَمَعَ رَهْطٌ عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ بِالسِّلَاحِ فَعَلَيْهِمْ فِيهِ الْقِصَاصُ ... وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُمْ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِصَاصِ الْمُسَاوَاةُ، لِمَا فِي الزِّيَادَةِ مِن الظُّلْمِ عَلَى الْمُتَعَدِّي ... وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْعَشَرَةِ وَالْوَاحِدِ، وَهَذَا شَيْءٌ يُعْلَمُ بِبَدَاهَةِ الْعُقُولِ، فَالْوَاحِدُ مِنْ الْعَشَرَةِ يَكُونُ مِثلا لِلْوَاحِدِ فَكَيْفَ تَكُونُ الْعَشَرَةُ مِثلا لِلْوَاحِدِ؟ وَأَيَّدَ هَذَا الْقِيَاسَ قَوْله تَعَالَى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} وَذَلِكَ يَنْفِي مُقَابَلَةَ النُّفُوسِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ ..." [1]

والشافعية يتركون القياس في مثل هذه الحالة باسم الكليات والضرورات التي لا يتقدم عليها القياس الجزئي، كما يقول الجويني:"ومن خصائص هذا الضرب أن القياس الجزئي فيه، وإن كان جليا، إذا صادم القاعدة الكلية تُرك القياس الجلي للقاعدة الكلية. وبيان ذلك بالمثال: أن القصاص معدود من حقوق الآدميين، وقياسها رعاية التماثل عند التقابل، على حسب ما يليق بمقصود الباب. وهذا القياس يقتضي ألا تقتل الجماعة بالواحد، ولكن في طرده والمصير إليه هدم القاعدة الكلية ومناقضة الضرورة، فإن استعانة الظَّلَمة في القتل ليس عسيرا، وفي درء القصاص عند فرض الاجتماع خرم أصل الباب." [2]

والمالكية يتجاوزونه عملا بمنهجهم في تقديم الاستدلال المرسل على القياس. وقد يعبرون عن هذا الاستدلال المرسل بالاستحسان أيضا. وفي الحالتين فإن مرادهم حفظ المقاصد والمصالح الشرعية وتقديمها على القياس إذا خالفها. قال الشاطبي:"ومقتضاه (أي الاستحسان) الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس، فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشَهِّيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المفروضة، كالمسائل التي يقتضى القياس فيها أمرا، إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى فوت مصلحة من جهة أخرى أو جلب مفسدة كذلك." [3]

وعلى منهج هذا الاستحسان المصلحي المقاصدي، فرَّع الشاطبي قاعدة أخرى مفادها أن السعي في تحصيل المصالح الشرعية إذا شابَتْه مفاسدُ عرَضية لا مفر منها، فإن ذلك لا يمنع من تحصيل تلك المصالح، بشرط اجتناب المفاسد المعترضة قدر المستطاع."كالنكاح الذي يلزمه طلب قوت العيال، مع ضيق طرق الحلال واتساع أوجه الحرام والشبهات، وكثيرا ما يُلجئ إلى الدخول في الاكتساب لهم بما لا يجوز. ولكنه غير مانع لما يئول إليه التحرز من المفسدة المُرْبية على توقع مفسدة التعرض. ولو اعتُبِر مثل هذا في النكاح في مثل زماننا لأدى إلى إبطال أصله، وذلك غير صحيح."

(1) المبسوط 12/ 355

(2) البرهان 2/ 604، وانظر: تخريج الفروع على الأصول، للزنجاني، ص 322

(3) الموافقات 4/ 205 ـ 206

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت