وهكذا يقال في جميع أجناس المصالح التي عُلم قصد الشارع إلى جلبها وحفظها، وفي جميع أجناس المفاسد التي علم قصد الشارع إلى إبطالها ودرئها. فأيُّما مسألة ليس فيها نص يشملها حكمه الخاص، فحكمها إلى القياس المصلحي والميزان المصلحي.
والقياس المصلحي ـ أو القياس المرسل ـ يقتضي أن كل ما فيه مصلحة شرعية محققة وراجحة، فهو مشروع ويجب الحكم بمقتضى مشروعيته ومصلحيته: إما بالندب، إن كان من التحسينيات، وإما بالندب أو الوجوب، إن كان من الحاجيات، وإما بالوجوب حتما، إن كان من الضروريات. والوجوب هنا قد يكون عينيا وقد يكون كفائيا.
ويقتضي أيضا أن كل ما فيه مفسدة ومضرة، فهو ممنوع غير محمود شرعا، إما على وجه الكراهة، إن كان ضرره يصيب التحسينيات، وإما على وجه الكراهة الشديدة أو التحريم، إن كان ضرره يصيب الحاجيات، وإما على وجه التحريم، إن كان ضرره يصيب الضروريات.
قال الشهاب القرافي رحمه الله:"المصلحة إن كانت في أدنى الرتب، كان المرَتَّبَ عليها الندبُ، وإن كانت في أعلى الرتب، كان المرتب عليها الوجوب. ثم إن المصلحة تترقى ويرتقي الندب بارتقائها، حتى يكون أعلى مراتب الندب يلي أدنى مراتب الوجوب. وكذلك نقول في المفسدة التقسيمَ بجملته. وترتقي الكراهة بارتقاء المفسدة، حتى يكون أعلى مراتب المكروه يلي أدنى مراتب التحريم." [1]
ومعنى هذا أن الاجتهاد بمقتضى الميزان المصلحي، يستلزم الدراية العالية بالمصالح والمفاسد، وأصنافها ومراتبها، سواء من الناحية النظرية المبدئية، أو في حالتها الواقعية التطبيقية.
وهذا يقودنا إلى استحضار ما قاله الشاطبي من أن الاجتهاد إذا تعلق بتقدير المصالح والمفاسد خاصة، فإنه يحتاج بالدرجة الأولى، وبصفة خاصة، إلى العلم بمقاصد الشريعة جملة وتفصيلا، ولا يضر في هذه الحالة الجهل باللغة العربية. قال الشاطبي:"الاجتهاد إن تعلق بالاستنباط من النصوص فلا بد من اشتراط العلم بالعربية، وإن تعلق بالمعاني من المصالح والمفاسد مجردة عن اقتضاء النصوص لها، أو مسلَّمة من صاحب الاجتهاد في النصوص، فلا يلزم في ذلك العلم بالعربية، وإنما يلزم العلم بمقاصد الشرع من الشريعة جملة وتفصيلا خاصة" [2]
(1) الفروق 3/ 94
(2) الموافقات 4/ 162