الصفحة 18 من 19

ففي مثل هذه الحالات يكون التعويل أساسا على مراعاة مقاصد الشرع في ذلك الحكم، لتحقيقها أو تحقيق أكثر ما يمكن منها بأفضل الصور والدرجات، وتلافي أكثر ما يمكن من الأضرار العرضية.

من أمثلة ذلك ما تقرر بأدلته من مشروعية هجر العصاة المجاهرين بمعاصيهم، والمبتدعين المعاندين ببدَعِهم، وخاصة ذوي المعاصي والبدع المغلظة. فكيف يكون هذا الهجر؟ تاما أم جزئيا؟ وإذا كان جزئيا، ففيم يكون وفيم لا يكون؟ وهل يكون للقريب والبعيد، أم لأحد الصنفين دون الآخر؟ وهل يكون الهجر بغض النظر عن نتائجه المتوقعة؟ وكذلك الواقعة؟ أم ينظر إلى ذلك ويؤخذ بعين الاعتبار، خاصة إذا كانت هناك نتائج عكسية؟

ومن أجود ما قيل في تحرير هذه المسألة، جوابٌ مطول لابن تيمية، جاء في آخره:"وَهَذَا الْهَجْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الهاجِرِين، فِي قُوَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ زَجْرُ الْمَهْجُورِ وَتَأْدِيبُهُ وَرُجُوعُ الْعَامَّةِ عَنْ مِثْلِ حَالِهِ. فَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ رَاجِحَةً، بِحَيْثُ يُفْضِي هَجْرُهُ إلى ضعف الشَّرِّ وخفته كَانَ مَشْرُوعًا. وَإِنْ كَانَ لَا الْمَهْجُورُ وَلَا غَيْرُهُ يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ، بَلْ يُزِيدُ الشَّر، وَالْهَاجِرُ ضَعِيفٌ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَفْسَدَةُ ذَلِكَ رَاجِحَةً عَلَى مَصْلَحَتِهِ لَمْ يَشْرَعْ الْهَجْرُ؛ بَلْ يَكُونُ التَّأْلِيفُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعَ مِنْ الْهَجْرِ. وَالْهَجْرُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعُ مِنْ التَّأْلِيفِ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَلَّفُ قَوْمًا وَيَهْجُرُ آخَرِينَ."إلى أن قال"وَإِذَا عُرف مقصود الشَّرِيعَةِ سُلك فِي حصوله أَوْصَلُ الطُّرُقِ إلَيْهِ. [1] "

وهكذا نجد أن كثيرا من الأحكام الشرعية المقررة والمعلومة، تحتاج إلى اجتهادات ـ أي إلى أحكام ـ تطبيقية، أو إلى أحكامِ حُسن التطبيق. والبوصلة الهادية في هذه الأحكام، هي مقاصد الحكم المراد تطبيقه، ومقاصد الشريعة بصفة عامة.

ومما يدخل في هذا النوع من الاجتهاد التطبيقي المقاصدي، تحديدُ الوسائل التي لم يحددها الشرع، لاتخاذ أنسبها لمقصود الحكم. والنظرُ ـ أحيانا ـ حتى في الوسائل التي حددها الشرع، لمعرفة ما إن كانت مطلوبة بعينها أم أنها وسائل ظرفية، ويمكن الانتقال إلى غيرها من الوسائل المستجدة، مما قد يكون أَوْصَلَ إلى المقصود وأبلغ في تحقيقه. [2]

(1) مجموع الفتاوى 6/ 351

(2) انظر توضيحات وأمثلة تطبيقية في هذا الباب عند أستاذنا العلامة يوسف القرضاوي في كتابه: دراسة في فقه مقاصد الشريعة، ص 174 إلى 189

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت