البيان الذي تقدم آنفا وما شرحه به شارحاه التفتزاني والجرجاني - عِلْمَ الكلام في جملة ما يتوقف عليه علمُ التفسير، قال عبد الحكيم: لتوقف علم التفسير على إثبات كونه تعالى متكلما، وذلك يحتاج إلى علم الكلام, وقال الآلوسي: لتوقف فهم ما يجوز على الله ويستحيل على الكلام, يعني من آيات التشابه في الصفات مثل (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، وهذا التوجيه أقرب من توجيه عبد الحكيم، وهو مأخوذ من كلام السيد الجرجاني في شرح المفتاح، وكلاهما اشتباهٌ, لأنَّ كونَ القرآنِ كلامَ الله قد تقرر عند سلف الأمة قبل علم الكلام، ولا أثر له في التفسير، وأما معرفة ما يجوز وما يستحيل فكذلك، ولا يُحتاج لعلم الكلام إلا في التوسع في إقامة الأدلة على استحالة بعض المعاني، وقد أبنت أن ما يَحتاج إليه المتوسعُ لا يصير مادةً للتفسير" [1] ."
وتأمل قولَه (لأنَّ كونَ القرآنِ كلامَ الله قد تقرر عند سلف الأمة قبل علم الكلام) وقل مثل ذلك في ما ذكره الشريف الجرجاني, لذلك قال المقريزي:"ولم يكن عند أحد منهم - يعني الصحابة - ما يستدل به على وحدانية الله تعالى، وعلى إثبات نبوة محمد *، سوى كتاب الله، ولا عرَف أحدٌ منهم شيئا من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة" [2] .
هذا إن سلمنا أن مقدماتِ علمِ الكلام تُستحصَل بها مطالبُه, وبسطُ ذلك لا تحتمله هذه الورقات.
فالحاصل أن علم أصول الفقه لا يتوقف على علم الكلام فلا يكون من مدده, والله أعلم.
(1) التحرير والتنوير 1/ 26
(2) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار 4/ 188