الصفحة 7 من 14

والعلاقة بين النموذجين علاقة مقابلة نموذجية تقتضي صرف دلالة الأسفلية إلى المستوى الأخلاقي والقيمي دون المستوى البيولوجي.

وقد أحسن العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي صنعا، إذ أعرض عن الإشارة إلى دلالة"أسفل سافلين"على الشيخوخة، واقتصر على الدلالة المساوقة لسياق الآية، مع ربطها بأسفلية أخلاق من استحق النار. يقول:"ومع شدة النعم العظيمة التي ينبغي له القيام بشكرها، فأكثر الخلق منحرفون عن شكر المنعم، مشتغلون باللهو واللعب، قد رضوا لأنفسهم بأسافل الأمر وسفاسف الأخلاق، فردهم الله في أسفل سافلين، أي أسفل النار، موضع العصاة المتمردين على ربهم، إلا من من الله عليه بالإيمان والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة العالية" [37] .

النموذج الثالث: دلالة المستقدمين والمستأخرين بين صفوف الصلاة ومداولة الحياة والممات

يقول تعالى: {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستاخرين} (الحجر: 24) .

أورد الطبري لهذه الآية ثلاثة تفاسير:

أ."المستقدمين": الذين مضوا وانقضوا، و"المستأخرين": الباقون الذين يعيشون في المستقبل.

ب. المستقدمون في صفوف الصلاة والمتأخرون فيها بسبب المرأة الحسناء.

ج. المستقدمون في الخير والمتأخرون عنه.

وبمقتضى التفسير الأول، فإن المستقدمين هم الخلق الذين مضوا في الأزمنة الخالية، أما المستأخرون فهم الذين يحيون لاحقا ويموتون مستقبلا.

أما في التوجيه الثاني لدلالة الآية، فإن رواية تشرحه على الشكل الآتي:

عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، رضي الله عنه، قال:"كانت تصلي خلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، امرأة حسناء من أحسن الناس، فكان بعض الناس يتقدم في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه في الصف، فأنزل الله في شأنها:"ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستاخرين" [38] ."

أما التفسير الثالث فهو واضح المعنى

غير أن الإشكال الذي يعن هنا هو: كيف يمكن الجمع بين دلالتين مختلفتين في معرض تفسير الآية المذكورة، وكيف تستمر تلك الدلالات المتباينة حاضرة في كتب التفسير، بل كيف تغلب الدلالة المتعلقة بالمرأة الحسناء وصفوف الصلاة، وتستقر في كتب علوم القرآن التي يتخذها الطلبة مرجعا في تكوينهم العلمي؟

لقد كان على المفسرين أن ينتبهوا إلى أن السياق الذي وردت فيه الآية مجال الدرس لا تعلق له بقصة المرأة الحسناء وصفوف الصلاة، وإنما ينسجم مع الدلالة الأولى، وهذا ما لا حظه الإمام الطبري ولخصه في قوله:"وأولى الأقوال عندي في ذلك بالصحة قول من قال: معنى ذلك: ولقد علمنا المستأخرين الذين استأخر موتهم ممن هو حي ومن هو حادث منكم ممن لم يحدث بعد لدلالة ما قبله من الكلام، وهو قوله تعالى:"وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون"وما بعده، وهو قوله: {وإن ربك هو يحشرهم} على أن ذلك كذلك، إذ كان بين هذين الخبرين، ولم يجر قبل ذلك من الكلام ما يدل على خلافه" [39] .

ومن المؤسف أن الإمام السيوطي أغفل الدلالة المعتبرة المساوقة لسياق الآية، وغلب دلالتها على قصة المرأة الحسناء، وجعل ذلك سببا في استثناء الآية الرابعة والعشرين وجعلها آية مدنية وسط سورة مكية.

وقد تعقبه الشيخ عبد الله بن الصديق محكما قاعدتين اثنتين: نقد سند الحديث. والترجيح بالسياق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت