الصفحة 11 من 14

عمومه وخصوصه .." [53] ؛ لأن القول بذلك، ثم الجمع بين دلالتين مختلفتين، لن يكون سوى محاولة موقعة في الاضطراب والتناقض، باعتبار أنه ليس كل الاختلاف التفسيري راجعا إلى علاقة التضمن والعام والخاص واللازم والثمرة، وإنما يتعدى الاختلاف مختلف تلك العلاقات المنطقية إلى اختلاف تضاد وتناقض، مما يوجب إخضاع مقولة"قبول اللفظ القرآني لمختلف الدلالات المذكورة"لأقصى درجات التقييد والتخصيص."

يذهب الإمام الطبري إلى أن دلالة السياق تعد مرجوحة حين تتقدم عليها دلالة أخرى بحجة من الحجج، يقول:"غير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها" [54] . وجعل الحجة مرتبطة بالعناصر الآتية:

ـ أن تكون دلالة ظاهر القرآن تدل على خلاف ما يوحي به السياق.

ـ أن يكون هناك خبر صحيح يفسر الآية بخلاف ما يفهمه سياقها.

ـ أن يكون هناك إجماع من أهل التأويل على تفسير الآية تفسيرا يخرجها عن سباقها ... ولحاقها [55] .

ولعل الدارس يستشكل هذا التقييد من قبل الإمام الطبري، إذ كيف يمكن لإجماع علمي تفسيري أن ينقض دلالة السياق؟ وهل يتصور جواز ذلك أصلا؟ وهل وجد فعلا خبر صحيح مناقض لدلالة السياق؟ وأليس ظاهر الآية جزء من سياقها المعتبر؟ يعين على الفهم ولا يقتصر عليه.

إن الأمر يستدعي استقراءا دقيقا لمعرفة هل وجدت، فعلا، دلالة سياقية لآية ما، ووجد إلى جانبها إجماع من قبل المفسرين بمرجوحيتها أوضعفها؟ وقل الأمر نفسه بخصوص قيد الخبر الصحيح وظاهر القرآن.

إن التعرض لهذه الإشكالات الثلاث، منزع القول بقبول اللفظ القرآني لمختلف التفاسير المحتملة، ومنزع القول بحجية قول الصحابي في التفسير، ومنزع القول بتقييد دلالة السياق بحجة معتبرة، إنما كان لمقصدية إثارة الإشكال ليسهم أهل التفسير والاجتهاد في بسط القول في ما يعود بالنفع على علوم التفسير وطلبة تلك العلوم على حد سواء.

1.... الآمدي:"الإحكام في أصول الأحكام"، دار الكتب العلمية، بيروت ط:2، 1983، 1/ 104.

9.ابن قيم الجوزية"بدائع الفوائد"، دار الكتاب العربي، بيروت، 4/ 9 - 10.

10.الشيخ العز بن عبد السلام:"الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز"، دار الحديث، القاهرة، ص: 220.

11.د. محمد حبنكة الميداني:"قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل"، دار القلم، دمشق، ط:2، 1989، ص: 319.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت