الصفحة 10 من 14

غير أن هذا المقرر يصطدم ببعض المنازع والمقررات والقواعد التي تسربت إلى حقل التفسير، واتخذت طابع المسلمات، منها القول إن جميع المعاني التي أوردها المفسرون للآية الواحدة هي مما تقبله لغة القرآن ويطيقه بيانه الذي اختار تكثير المعاني في اللفظ الموجز، ومنها تصور أن دلالة السياق قد تكون مرجوحة أو ضعيفة بحجة من الحجج، ومنها الذهاب إلى أن قول الصحابي حجة. وسنقتصر على نقد المنزعين الأولين، تاركين الحديث عن قول الصحابي إلى مناسبة أخرى بحول الله.

والكلام على هذه الإشكالات يقتضي تفصيلا في القول لا تطيقه هذه الدراسة الموجزة، ولكن يكتفى بالإشارة إلى الإشكال تحريرا وتمثيلا.

فقد اعتبر الشيخ الطاهر بن عاشور قبول المعاني المتعددة للآية الواحدة أصلا ومنهجا، وانتقد غفلة المفسرين عنه، يقول:"وقد كان المفسرون غافلين عن تأصيل هذا الأصل، فلذلك كان الذي يرجح معنى من المعاني التي يحتملها لفظ آية من القرآن يجعل غير ذلك المعنى ملغى، ونحن لا نتابعهم إلى ذلك، بل نرى المعاني المتعددة التي يحتملها اللفظ بدون خروج عن مهيع الكلام العربي البليغ معاني في تفسير الآية" [50] .

غير أن هذا الكلام يتوجه إليه الاستدراك الآتي:

-إن لجوء المفسرين إلى الترجيح يدل على أن بعض المعاني غير مقصود بلفظ القرآن، إما لعدم احتماله له، أو لتخلف بعض شروط الدلالة لغة وسياقا.

-إن تعدد المعاني التفسيرية لا يقتصر على اللفظ المفرد، بل إنه يشمل المخاطبات والضمائر وعودها، والمتحدث عنهم، والتراكيب، وغيرها من الأنماط والظواهر، ومن ثم وجب حمل عموم كلام الطاهر بن عاشور على خاص واحد ألا وهو التعدد الدلالي للفظ المفرد، وقد صرح فضيلته بذلك، أما أن ينسحب على مختلف أشكال الاختلاف بين أقوال المفسرين، أو أن يستغرقها جميعا استغراق لفظ العام لمشمولاته، فهو بعيد والله أعلم، لأن ما أتينا على عرضه من نماذج، وهي غيض من فيض، يدل على أنهم لم يختلفوا في دلالة اللفظة المفردة فقط، وإنما امتد خلافهم إلى أبعد من ذلك، وإذا استحال الجمع بين الأقوال المختلفة، والجمع أولى من التفرقة، وجب الهروع إلى الترجيح، والله أعلم بالصواب.

إن مذهب الإمام الطاهر بن عاشور مقبول في حدود التعدد الدلالي للفظ الذي يحتمل ذلك، وقد كان المفسرون واعين بهذا المسلك، وجاءت تفسيراتهم مستوعبة لمختلف ما يطيقه اللفظ. وإذا كانت الأمثلة كثيرة، فإن الدراسة تقتصر على إيراد نموذج واحد يقاس عليه.

فقد وقف المفسرون عند قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} (الاَنفال: 61) ، وذهب بعضهم إلى أن المراد بها الرمي، وذهب آخرون إلى أنها الخيل، ولعل هذه المعاني هي آحاد تخصص عموم القوة، وكأنها نماذج من القوة المطلوبة، باعتبار أن الرمي قوة والخيل قوة. وبإحكام هذا التعدد الدلالي المستجيب لشروطه اللغوية والمقامية، فلا معنى لأن يرد تفسير"مجاهد"للقوة بالخيل كما يذهب إليه الزركشي [51] ، ما دام الخيل من مشمولات القوة وعناصرها.

لكن هذا الاستيعاب الدلالي لمختلف التفاسير الواردة في موضوع"قوة"لا يتاح مع جميع أشكال الاختلاف التفسيري بين العلماء، قديما وحديثا، مما يستدعي الهروع إلى قاعدة الترجيح بين تلك الأقاويل، واعتماد السياق أداة حاكمة في تطبيق تلك القاعدة. فكيف يمكن الجمع، مثلا، بين دلالتي"الحصور"التي وصف الله بها"يحيى بن زكريا": الضعف الجنسي، والقدرة على ضبط الشهوة، إنهما دلالتان مختلفتان، ولا يمكن، بأي وجه من وجوه التأول، أن يعتبرا من قبيل أن يكون كل مفسر"ذكر معنى ظهر من الآية، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل، أو لكونه أليق بحال السائل، وقد يكون بعضهم يخبر عن الشيء بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته، والكل يؤول إلى معنى واحد، والمراد الجميع ... وكثيرا ما يذكر المفسرون شيئا في الآية على جهة التمثيل لما دخل في الآية، فيظن بعض الناس أنه قصر الآية على ذلك .." [52] ، أو من قبيل"أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى ... ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس .. أو أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت