الصفحة 5 من 14

النموذج الأول: الحصور: العُنَة الضعف الجنسي أم العفة الخُلقية؟

وصف القرآن الكريم يحيى بن زكرياء عليهما السلام بأوصاف جليلة، وذلك في قوله تعالى إخبارا عن زكرياء: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيئا من الصالحين} (ءال عمران: 39) .

واختلف المفسرون في دلالة"الحصور"، فقد انتهى الطبري إلى أنها تدل على"الذي لا يأتي النساء"أو"لا يقرب النساء"، أو"الذي ليس له ماء" [24] مستندا في ذلك إلى ما ورد عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم، ولم يشر إلى المعنى الثاني الذي ذهب إليه آخرون.

ونجد عند القرطبي عرضا لدلالتين مختلفتين، وقد رجح الإمام إحداهما لاعتبارات تتصل بسياق الكلام.

فقد ذكر أولا المعنى السابق، ثم ثنى بالدلالة التي استمدها من علماء آخرين، ومفادها أن الحصور هو الذي يكف عن النساء ولا يقربهن مع القدرة. ونسب هذا التفسير إلى ابن مسعود وابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء والحسن والسدي وابن زيد، ولنا أن نعجب كيف أن كتب التفسير تحتوي في دلالة الآية الواحدة قولين مختلفين لعالم واحد، ورجح القرطبي الدلالة الثانية، وعلل ترجيحه بقوله:"وهذا أصح الأقوال لوجهين: أحدهما أنه مدح وثناء عليه، والثناء إنما يكون عن الفعل المكتسب دون الجبلة في الغالب، والثاني أن فعول في اللغة من صيغ الفاعلين، كما قال: من الطويل"

ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السيفِ سَوْقَ سِمَانِهَا ... إِذَا عَدَمُوا زَادًا فَإِنَّكَ عَاقِرُ

فالمعنى أنه يحصر نفسه عن الشهوات، ولعل هذا كان شرعه" [25] ."

وإذا كان التعليل الثاني معتبرا؛ لأنه يستند إلى دلالة الصيغ في اللغة العربية، فإن التعليل الأول هو المقصود؛ لأنه يستحضر سياق الكلام، فقد مدح القرآن يحيى بأنه مصدق بعيسى، على بعض الأقوال، وسيد حاز الشرف والكرم في العلم والعبادة، ثم هو نبي من الصالحين، وهي صفات حميدة، فكيف تقتحمها صفة هي إلى الذم أقرب منها إلى المدح، إن الراجح أن تكون دلالة"الحصور"متصلة بما من شأنه أن يضاعف من طهارة يحيى ويقربه من رضا الله.

يقول الطاهر بن عاشور:"وذكر هذه الصفة في أثناء صفات المدح إما أن يكون مدحا له، لما تستلزمه هذه الصفة من البعد عن الشهوات المحرمة، بأصل الخلقة، ولعل ذلك لمراعاة براءته مما يلصقه أهل البهتان ببعض أهل الزهد من التهم، وقد كان اليهود في عصره في أشد البهتان والاختلاق" [26] .

وكان الأولى بالإمام الطبري أن يلتفت إلى هذه الدلالة الراجحة، ويدعمها بما عرف عنه من ذوق في إدراك معنى الآية والترجيح بين الأقاويل المختلفة، وليته كان سباقا إلى ما ذهب إليه الراغب الأصبهاني في قوله:"فالحصور الذي لا يأتي النساء إما من العنة، وإما من العفة والاجتهاد في إزالة الشهوة، والثاني أظهر في الآية، لأن بذلك تستحق المحمدة" [27] .

وتشير الدراسة، هنا على سبيل التذكير، إلى أن نظرة النصوص"التوراتية"و"المسيحية"إلى الأنبياء نظرة يشوبها الكثير من الاضطراب، فهي تصف الأنبياء، في بعض السياقات، بما لا يتناسب مع كريم شخصهم وعصمتهم، والأمر محتاج إلى جمع تلك النصوص ونقدها، خاصة إذا علم أن بعض تلك النصوص مما يتصل بالمرويات قد تسرب إلى الثقافة الإسلامية، وهي تتضمن أوصافا قدحية لا تجوز في حق الأنبياء.

النموذج الثاني: أسفل سافلين: الهرم أم سوء العاقبة؟

في سورة التين، ورد قوله تعالى: {لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات، فلهم أجر غير ممنون} (التين: 4 - 6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت