وقد أبرز المفسرون والعلماء أهمية السياق في فهم دلالة النص، وترجيح التأويلات، يقول ابن قيم الجوزية:"السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم" [9] .
وفي سياق حديثه عن ضروب التفسير وأنواعه، أشار العز بن عبد السلام إلى النوع الذي يكون للسياق دور بارز في توجيهه، فقال:"وقد يتردد أي معنى الآية بين محامل كثيرة يتساوى بعضها مع بعض، ويترجح بعضها على بعض، وأولى الأقوال ما دل عليه الكتاب في موضع آخر أو السنة، أو إجماع الأمة، أو سياق الكلام، وإذا احتمل الكلام معنيين، وكان حمله على أحدهما أوضح وأشد موافقة للسياق كان الحمل عليه أولى" [10] .
إن السياق هاد إلى اختيار المعنى المراد من الكلمة بحسب موضعها الملائم لموضوع النص [11] .
والأساس الحاكم لهذا التصور هو أن الكل مهيمن على الجزء وموجه له، بل مؤثر فيه، إلى درجة أن معنى الجزء ينعدم في ظل غياب معنى الكل، وذلك ما عناه الشاطبي بقوله:"فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المتكلف، فإن فرق النظر في أجزائه، فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض" [12] . وهوالقائل في مناسبة أخرى:"كلام العرب على الإطلاق لابد فيه من اعتبار السياق" [13] ، وهو قانون لايختص بكلام العرب، بل هو جار على جميع اللغات.
لقد أصبح مبدأ مراعاة السياق شرطا أساسا في فهم الخطاب، غير أن ما نود التذكير به، هنا، هو أن السياق لا يقوم بالوظيفة التفسيرية فقط، وإنما يتعداها إلى وظيفة أخرى تختص بترجيح معنى معين على ما سواه، وتقوية دلالة مخصوصة على حساب دلالات مرجوحة، ورفع الاحتمالات بتأكيد احتمال واحد قوي لقوة مرتكزه السياقي.
وقد انتهى البحث في الدراسات القرآنية في العصور المتأخرة إلى اعتبار وظيفة السياق الترجيحية إحدى قواعد الترجيح المعتبرة، يقول محمد بن محمد سالم المجلسي:"أما وجوه الترجيح، فهي اثنا عشر ... سادسا: أن يشهد لصحة القول سياق الكلام ويدل عليه ما قبله وما بعده" [14] .
ولخص الشيخ رشيد رضا قاعدة الترجيح بالسياق في قوله:"إن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ: موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى وائتلافه مع القصد الذي جاء به الكتاب جملة" [15] .
وإحكاما لهذه القاعدة، قاعدة الترجيح بالسياق، وتمكينا لها في بيئة تدبر القرآن الكريم والتعامل معه، وتحسيسا لطلبة علوم التفسير بضرورة اعتماد هذه القاعدة في بحوثهم المتصلة بتاريخ التفسير ومناهج المفسرين والعلاقة بين التفسير وأسباب النزول وأقوال الصحابي، فإننا نقدم نماذج تطبيقية نرجو لها أن تكون خير ممثل لما نخاله عملا مفيدا لحقل التفسير، ومسلكا طيبا لتنقية التفاسير مما علق بها من أقوال مرجوحة لا تتناسب مع السياق الحاف بالآيات، وذلك كله من أجل مراجعة لتراث التفسير مراجعة منهجية تبني عطاء الدلالة القرآنية على صحيح فهم الصحابة والتابعين، وعلى قواعد مراعاة السياق، إيمانا بأنه يستحيل أن يكون هناك تعارض أو تناقض بين مراعاة السياق واستصحاب أقوال المفسرين.
تتحدد دلالة الترجيح اللغوية في الميل، فرجح الميزان بمعنى مال، وأرجح الميزان: أي أثقله حتى مال [16] .
أما في الاصطلاح، فقد استعمل الترجيح بمعنى"تقوية أحد الدليلين المتعارضين على الآخر للعمل به" [17] ، أوهو إبداء زيادة قوة الدليل على الدليل المعارض" [18] . ولعل أكثر تعريفات الترجيح اختصارا قول الشيرازي:"بيان قوة أحد الدليلين على الآخر" [19] ."
ولا يتصور ترجيح إلا بوجود تعارض بين الدليلين أو القولين، والتعارض هو"تقابل الحجتين المتساويتين على وجه توجب كل واحدة منهما ضد ما توجبه الأخرى" [20] .