الصفحة 8 من 14

فأما القاعدة الأولى، فقد هدته إلى إعلان ضعف إسناد الحديث، يقول:"وهذا الأثر، وإن صححه ابن حبان، له علة، فقد رواه عبد الرزاق في تفسيره عن أبي الجوزاء [40] ، ولم يذكر ابن عباس، وقال الترمذي: روى عن أبي الجوزاء مرسلًا وهو أشبه. فهذه علة تقتضي ضعفه من جهة الإسناد."

وأما تطبيقه لقاعدة الترجيح بالسياق، فقد تجلت في قوله:"وأما من جهة المعنى، فإن السياق يرده، يقول تعالى: {وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون، ولقد علمنا المستقدمين منكم} ولادة وموتا، {ولقد علمنا المستاخرين} كذلك، فلا يختلط علينا متقدم بمتأخر، {وإن ربك هو يحشرهم} جميعا مع كثرة عددهم وتباعد أزمانهم. فلا محل لصفوف الصلاة في الآية، ولا معنى لاستثنائها" [41] .

لقد ظهر كيف أن من مظاهر ضعف الأساس المنهجي في التفسير أن بعض المفسرين يربطون بين دلالة الآية والحديث ربطا بعيدا، ولو كان ذلك على حساب سياق الآية ونظام المعنى الحاف والمرتبط بها ارتباطا تركيبيا ودلاليا.

ولعل الإمام الطبري لم يكن، بعد الذي تبين من سند الحديث ومخالفة توجيه الآية بعيدا عن سياقها، ليعمد إلى الجمع بين تلك الأقوال التفسيرية المتباينة، أو يلتجئ إلى مقولة العموم ليحشر تلك الدلالات في سلك واحد. فهو القائل:"وجائز أن تكون نزلت في شأن المتقدمين في الصف لشأن النساء والمستأخرين فيه لذلك، ثم يكون الله عز وجل عمّ بالمعنى المراد منه جميع الخلق، فقال جل ثناؤه لهم: قد علمنا ما مضى من الخلق وأحصيناهم، وما كانوا يعملون، ومن هو حي منكم، ومن هو حادث بعدكم أيها الناس ..." [42] .

لم يكن الطبري مضطرا إلى هذا الجمع بعد أن رجح، هو نفسه، الدلالة المعتبرة التي لا تعلق لها بمسألة الصفوف والمرأة الحسناء.

حقيقة أن الجمع أولى من الترجيح، صونا لكلام الصحابة والمفسرين من الضعف والخطأ، ولكن من شروط الجمع أن يكون وفق أسس قوية البناء، وليس بمجرد القول بالجواز.

النموذج الرابع: الذي أوتي الآيات: هل هو نبي أم رجل من بني إسرائيل؟

تساءل المفسرون عن هذا الذي أشار إليه القرآن في قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين} (الاَعراف: 175) ، واختلفوا في ذلك اختلافا بينا، إذ ذهب بعضهم إلى أنه نبي من أنبياء الله، وقد ذكر بعضهم اسمه، وهو"بلعم"، وفي مقدمة هؤلاء الإمام الطبري، فقد أورد روايات عديدة تضم أقوالا تفسيرية يقول بعضها: إنه"بلعم"، وبعضها يقول إنه أمية بن أبي الصلت.

والغريب أن الطبري اعتبر دلالة الآية على أمية بن أبي الصلت غير جائزة؛ لأن الأمة لا تختلف في أن أمية لم يكن أوتي شيئا من ذلك؛ أي من الكتاب والنبوة [43] . وغفل عن الالتفات إلى حقيقة جوهرية، تمثل مقصدا من مقاصد القرآن، وهي أنه لا يجوز القول إنه نبي؛ لأن ذلك مدخل للطعن في حكمة الله وعلمه، إذ كيف يتسرب إلى وهم المرء أن إنسانا يصطفيه الله للنبوة وبالنبوة ثم يعرض عنها ويسلك منهجا مخالفا لها، إن هذا الفهم مدخل إلى تسرب عقائد فاسدة تمس الإيمان بحكمة الله وعلمه.

وأين ذلك من السياق العام لحكمة الله تعالى وعلمه، ذلك السياق الذي يلخصه قوله تعالى: {وإذا جآءتهم ءاية قالوا لن نومن حتى نوتى مثل ما أوتي رسل الله، الله أعلم حيث يجعل رسالاته} (الاَنعام: 125) .

ولهذا يتعين نقد مختلف تلك الروايات التي أوردها الطبري سندا ومتنا، خاصة وأن إحداها تضم، في سندها، رواة مجروحين من مثل عبد العزيز بن أبان الذي قال فيه ابن حجر:"عبد العزيز بن أبان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن العاص الأموي السعدي أبو خالد الكوفي، نزيل بغداد متروك وكذبه ابن معين وغيره" [44] .

وإذا كان بعض المفسرين قد اكتفوا بإيراد مجموع الأقوال التفسيرية دون نقد أو تمحيص أو ترجيح، كما هو صنيع القرطبي [45] ، فإن آخرين التفتوا إلى غرابة ذلك التفسير وردوه، يقول الماوردي في تفسيره:"وهذا غير صحيح؛ لأن الله تعالى لا يصطفي لنبوته إلا من يعلم أنه لا يخرج عن طاعته إلى معصيته" [46] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت