الصفحة 1 من 14

السياق في الاصطلاح التفسيري: مفهومه ودوره الترجيحي

د. محمد إقبال عروي

مستشار بقطاع الشؤون الثقافية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

الكويت

المتأمل في خطاب المفسرين يدرك أنهم لم يقتصروا على تحديد وسائل فهم الخطاب، وإنما عملوا على إبراز الوسائل التي تساعد على ترجيح معنى دون آخر، وتقوية دلالة على حساب غيرها من الدلالات المحتملة؛ إذ لا يكتفى بالدلالات اللغوية المجردة، بل لا بد من مراعاة مجموع القرائن، وفي ذلك يقول الآمدي:"دلالات الألفاظ ليست لذواتها، بل هي تابعة لقصد المتكلم وإرادته" [1] في تصريف الخطاب لغة وأسلوبا وبناء.

ومن العلامات المساعدة على فهم قصد المتكلم بالخطاب النظر في سياق الكلام، قريبه وبعيده، لغويه ومقامه. وقد وجدنا المفسرين يعرضون لتلك القواعد، ويطبقونها.

وسنفرد هذه الدراسة للحديث عن دور السياق في ترجيح دلالة معينة من بين الدلالات التي يمنحها المفسرون للآية القرآنية الواحدة.

وفي الفقرات القادمة تحديد لمفهوم قاعدة الترجيح بالسياق ونماذج تطبيقية تجلي المراد وتقدم الدليل الداعم لمحكمية القاعدة ودورها في إحداث مراجعة منهجية في خطاب المفسرين.

1.السياق: المفهوم والأهمية

يستعمل مصطلح"السياق"في سياقات متعددة، بعضها لغوي وآخر اجتماعي واقتصادي وسياسي، غير أن المعاجم تقدم له تعريفا يكاد ينطبق، من حيث المقوم الجوهري، على تلك السياقات جميعا، فالسياق، في مجال تحليل الخطاب، هو سلسلة الأفكار التي تجسد نصا ما، وبالتحديد، فإن السياق هو مجموع النص الذي يحيط بالجملة التي يراد فهمها، وعليه يتوقف الفهم السليم لها [2] ، أو هو المحيط اللساني الذي أُنْتِجت فيه العبارة [3] ، ولا يشترط في تلك العناصر الحافة بالعبارة أن تكون قريبة، بل يمكنها أن تكون بعيدة في متن الخطاب [4] .

ومن ثم، فإن معنى العبارة يتغير طبقا للمساق الذي ترد فيه، وما دام الأمر كذلك، فالواجب يقتضي تأويل كل كلمة أو جملة، ليس في استقلاليتها وتفردها، وإنما من خلال مراعاة سياقها. إلى درجة يصح القول إذا كان التركيب يوجد داخل النص، فإن الدلالة توجد داخل السياق. وهذا لايقتصر على تحديد دلالة العبارة فقط، بل يمتد ليشمل تحديد الصور والاستعارات والمجازات، والبحث في آليات ضبطها وتأويلها [5] .

ونظرا للأهمية التي تولى للسياق في فهم دلالة الكلام، فقد غدا قاعدة أساسية في عملية التأويل [6] ، مادام فهم الخطاب يستدعي شرطا أساسيا وهو فهم السياق.

والعلاقة بين العبارة، مجال الشرح، والمحيط اللغوي الحاف بها علاقة تأثير ممتدة بين قطبين: قطب العبارة وقطب النص، إلا أنها تسير في الاتجاه الثاني نحو الاتجاه الأول، وقد عملت بعض التعريفات على إضافة مقوم التأثير إلى مفهوم السياق، من ذلك قولهم:"السياق هو مجموع الوحدات اللسانية التي تحيط بعنصر معين داخل سلسلة الخطاب، وتؤثر فيه" [7] .

وعادة ما يضع المحللون هذا السياق النصي في مقابل سياق آخر مرجعي أومقامي، أو سياق الحالة الذي يضم مجموع الظروف والوقائع خارج لسانية كالظروف النفسية والاجتماعية والثقافية. والتي بداخلها يجري حدث التواصل، كما يجري حدث التلقي. ومن ثم، يمكن التمييز بين السياق اللساني والسياق الحالي [8] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت