الصفحة 4 من 14

ـ الموقف الأول: لا شرعية لمقولة قتال الكفار بسبب كفرهم، وإنما جاز قتالهم بسبب حرابتهم للمسلمين واعتدائهم عليهم، وهو الموقف الغالب في التراث الفقهي، ومفاده أن الكفار، حين يحاربون المسلمين، يصار إلى قتالهم استجابة للأمر الواجب في القرآن الكريم.

ـ الموقف الثاني: شرعية قتال الكفار بسبب كفرهم، وهو موقف لم يقل به، في غالب الاستقراء، إلا مذهب فقهي واحد، ظنا منه أن علة القتال والجهاد هي كفر الآخر، وغاب عنه أن العلة هي الحرابة.

ويجد المسلم المعاصر نفسه حائرا بين هذين الموقفين والتفسيرين، وخاصة عندما يريد أن يفسر قوله تعالى:"وقاتلوا المشركين ..".

وفي هذه الحال، ورغبة في درك الفهم السليم، يتعين قراءة مختلف الآيات الآمرة بالقتال على ضوء مقاصد القرآن في العمران الإنساني، وسيتضح، حينئذ، أن من مقاصد القرآن الكبرى رعاية الحرية الفكرية والاعتقادية للإنسان، وانتفاء الشرعية عن أي جهة في إجبار الأفراد والجماعات على الخضوع إلى فكر معين أو عقيدة محددة، وهذا المقصد متأصل بقوة في النصوص الشرعية من مثل قوله تعالى: {لا إكراه في الدين} ، التي أريد لها، خضوعا لمنطق شرعية قتال الكفار بسبب كفرهم، أن تصير منسوخة بآية السيف:"وقاتلوا .."مع أنها، كما يقول البحث التحقيقي في الناسخ والمنسوخ، آية محكمة ناسخة.

وعندما يخرق هذا المنطق مقصد الحرية الاعتقادية للأفراد والجماعات والأمم، فإن خرقه لمقاصد القرآن الأخرى يصير أمرا مستساغا، مثل من يحشر الآخر في خانة واحدة، ويوجه سلاح قتاله إلى مختلف الفئات والجماعات في مجتمعات"الكفار"، مع أن مقاصد القرآن الكبرى تقر بأن لا يؤخذ أحد بجريرة غيره، وألا يعاقب الأبرياء بصنيع المجرمين، وإلا صارت الحياة فوضى، واستحال قيام قواعد أخلاقية وقانونية. وحرصا من القرآن على تثبيت أركان هذا المقصد، تواردت الآيات على تقرير هذه القاعدة الحضارية، من مثل قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وقوله: {كل امرئ بما كسب رهين} .

وقد كان التوقف ينتابني عندما أحضر مجالس الجُمع والجماعات، ويقف الإمام والخطيب داعيا، ويقول:"اللهم دمر اليهود والنصارى أجمعين، واجعلهم وذريتهم وأموالهم غنيمة للمسلمين"؛ إذ كان الصراع بين وعيي لمقاصد القرآن وبين هذا الدعاء حادا وقويا؛ إذ كيف يجوز حشر جميع اليهود وجميع النصارى في خانة واحدة واستهدافهم بالدعاء عليهم وعلى ذرياتهم وحضارتهم؟ ألا يمكن أن يعاد النظر في مثل ذلك الدعاء على ضوء مقاصد القرآن ممثلة في العدل والإنصاف وعدم جواز أخذ أحد بجريرة غيره.

إن السياق المقاصدي للخطاب القرآني روح وقواعد ومبادئ، وهي محتاجة إلى أن تتحول إلى مقررات دراسية تدمج ضمن مواد العلوم الإسلامية بالثانويات والمعاهد والجامعات كي تصير ملكة لدى طلبة العلم والدعاة والوعاظ والباحثين. وإن في عدم إدراكها وتمثلها خطرا على فهم النص وتنزيله، وقد يكون إهمال الباحث والعالم والداعي والواعظ لنص من النصوص أو غفلته عنه مستساغا، وقد لا يؤثر على منهجه في العلم والبحث والاستدلال والدعوة، وإن كان الاستقصاء مطلبا لازما. ولكن إذا تم إهمال مقاصد القرآن، ولم توضع في الاعتبار الأول، فإن النتائج تكون سلبية منهجا وفهما وتطبيقا.

من المؤكد أن الخطاب القرآني يهدي إلى مقاصد، من مثل مقصد العدل والحرية الاعتقادية والمساواة الإنسانية، ونفي الإكراه في الدين، وإعمار الأرض ... وعلى المفسر أن ينطلق من هذه المقاصد، وإذا بدا له أن قولا ما يتعارض مع هذه المقاصد، فليعلم بأن المقصد هو الحاكم، وليس أقوال فلان أو فلان، إذ لا يجوز أن يطالب القرآن الناس بقيمة من القيم المذكورة، ثم يأمرهم، في أي سياق، بتجاوزها أو خرقها، فإذا كان القرآن يقصد إلى نفي الإكراه في الدين، مثلا، فلن تجد في آياته الأخرى أمرا بقصر الناس على الدين وإرغامهم على القبول به بالقوة أو التهديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت