الصفحة 3 من 14

وضابط التعارض نسبي؛ إذ قد لا يكون التعارض بين دلالتي النصين، وإنما في فهم المتعامل معهما، وفي ضوء درجة إحكام مقولات العام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ ...

ولا فائدة ترجى من انتهاج الترجيح إن لم يكن بغرض إعمال الدليل القوي الراجح وإهمال الدليل الضعيف المرجوح، وإلا فقد الترجيح معناه ووظيفته، يقول الآمدي:"أما الترجيح، فعبارة عن اقتران أحد الدليلين الصالحين للدلالة على المطلوب، مع تعارضهما، بما يوجب العمل به وإهمال الآخر" [21] .

ونشير إلى أن التحديد السالف للترجيح يتداول عند الأصوليين والفقهاء، وذلك لأن هاته الحقول العلمية تتعامل مع نصوص القرآن وأحاديث الرسول عليه السلام، ومن المعلوم أن تلك النصوص كثيرة، ومنها ما هو قطعي في ثبوته ودلالته أو في أحدهما، ومنها ما هو ظني في ثبوته ودلالته أو في أحدهما، ويحصل أن يقع، في فهم العالم، تعارض بين نصين أو أكثر، فإذا أمكن الجمع بين دلالاتها بوسائل الجمع التي حصرها الأصوليون جاز ذلك، وإلا تعين ترجيح نص واحد على ما سواه بسلوك طرائق الترجيح التي بينوها في مصنفاتهم.

والملاحظ أن الترجيح، سواء في إطلاق هذه الدراسة أم في خطاب المفسرين، لا يتعلق بنصين اثنين، أو أكثر، من نصوص القرآن أو السنة، وإنما يتصل بأقوال المفسرين في تفسيرهم للآية الواحدة. فالتعارض يتصور بين تلك الأقوال، والدعوة إلى ترجيح بعضها على بعض إنما ينحصر في تلك الأقوال. وفي كلمة واحدة، فإذا كان الأصوليون يتحدثون عن التعارض والترجيح بين نصوص القرآن والسنة، فإن الدراسة تتحدث عن التعارض والترجيح في فهم المفسرين لتلك النصوص، ولعل الفرق صار واضحا وجليا.

وإذا كان الأصوليون يذكرون أربعة أسباب جوهرية لوقوع الترجيح بين النصوص [22] ، فإن الترجيح، في مجال دراستنا، يكون له سبب جوهري هو سياق الآية والقرائن الحافة بنظمها، وقد يتدعم هذا السبب ويتقوى بنصوص قرآنية وحديثية خارج السياق النصي، وقد يضاف إليه السياق المقاصدي للخطاب والشريعة في مجالات العقيدة والتربية والعمران.

وهذا يجعل مفهوم السياق يتسع ليصير ذا أربع شعب:

أ. شعبة السياق النصي القريب، وهو المقصود الأول بالسياق في هذه الدراسة.

ب. شعبة السياق المقامي، وهو الداخل في مفهوم أسباب النزول باعتبارها الوعاء الزمني والحالي الذي تنزلت فيه الآية موضوع التفسير نقدا وتوجيها أو إقرارا وتمكينا، أو إصلاحا وتعديلا.

ج. شعبة السياق الكلي للخطاب، ويتمثل في استحضار الوحدة النظمية والدلالية للخطاب القرآني.

د. شعبة السياق المقاصدي للخطاب القرآني، وهو الدائرة الكبرى التي تستوعب الدائرتين السالفتين، وتتعداهما إلى مقاصد القرآن في العقيدة والشريعة والتربية والعمران، إذ أن ترجيح دلالة معينة وإعمالها ملزم بأن يساوق الدلالات المقاصدية للخطاب، أما إذا عارضها أوناقضها، فهو دليل مرجوحيته وإهماله.

وقد فات د. محمد عابد الجابري الانتباه إلى رباعية شعب السياق، فلم يشر إلى الشعبة الثالثة والرابعة، وذلك في قوله:"والسياق في القرآن يتحدد بأمرين اثنين: أولهما الآيات التي تشكل كلا واحدا تندرج تحته الآية المراد تفسيرها، على سلم ترتيب النزول. ومناسبة نزول تلك الآية أو الآيات، وتبين المخاطب فيه" [23] ، مع أن السياق لا يتقوم، بالمعنى العلمي والمنهجي، إلا بإدراج السياق الكلي للخطاب القرآني، والسياق المقاصدي له، باعتبارهما ميزانين راجحين في تقويم الكثير من"الخلط"و"الاضطراب"في حقل تفسير العديد من الآيات.

ولنستبق التحليل في ضرب مثال للمراد بالسياق المقاصدي للخطاب القرآني، وليكن المثال متصلا بالإشكال الفقهي والحضاري المعاصر حول الموقف من الآخر، فقد أريد لمذهب القول بشرعية قتال الآخر بسبب كفره أن ينتشر في وسائل الإعلام انتشارا يشوش على الموقف السليم، وفصل العديد من الأقوال والأحكام والتحليلات عن سياقها التاريخي لتؤكد تلك المقولة، مع أن تحرير الإشكال، في بعده الفقهي، يضع الدارس إزاء موقفين:

3.نماذج تطبيقية لمحكمية قاعدة الترجيح بالسياق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت