وصاغ الفخر الرازي نقده لمن يذهب بأن المذكور في الآية هو نبي الله"بلعم"في صيغة سؤال: هل يصح أن يقال إن المذكور في هذه الآية كان نبيا ثم صار كافرا؟ فأجاب:"هذا بعيد لأنه تعالى قال: {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} (الاَنعام: 125) ، وذلك يدل على أنه تعالى لا يشرف عبدا من عبيده بالرسالة إلا إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد الشرف والدرجات العالية والمناقب العظيمة، فمن كان هذا حاله، فكيف يليق به الكفر؟" [47] .
وهذا يكشف عن حجم تأثير المرويات الإسرائيلية في توجيه تفسير الدلالة القرآنية، ففي النصوص التوارتية الأصلية حديث عن"بلعم"هذا باعتباره"نبيا"، فكيف تسرب هذا إلى حقل التفسير القرآني؟ وكيف جاز تجاوز الدلالة القرآنية التي لا تصرح بأنه نبي، وتقديم الدلالة التوراتية التي تقول إنه نبي؟ مع تناقضها مع المقصد القرآني المتمثل في أن الله حكيم ولا يصدر عنه إلا فعل حكيم؟!
وعندما انتهى الأمر إلى ابن كثير، عَير الأقوال التفسيرية السابقة بمعيار مقاصد القرآن، ثم حكم عليها بالخطأ والغرابة، يقول:"وأغرب، بل أبعد، بل أخطأ من قال كان قد أوتي النبوة فانسلخ منها، حكاه ابن جرير عن بعضهم ولا يصح" [48] ، وانتصر للقول التفسيري الذي ذهب إليه ابن مسعود وغيره من أن الأمر يتصل برجل من بني إسرائيل حصل على علم، غير أنه انسلخ عن الإيمان، وهذا ظاهر في علماء كل عصر، فمنهم من يبلغ درجات عالية في سلم العلم والمعرفة ثم يركنُ إلى الكفر والإلحاد منسلخا من نداء الفطرة وحقائق الآيات.
ومادامت الدراسة تتحدث عن دور السياق في ترجيح الدلالة القرآنية المعتبرة، فإن ما تشير إليه هنا، هو أن أغلب المفسرين غفلوا عن الالتفات إلى السياق الذي وردت فيه الآية المذكورة، فقد ورد قبله قوله تعالى: {وإذ اخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك ءاباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون، وكذلك نفصل الاَيات ولعلهم يرجعون} (الاَعراف: 172 - 173) ، ثم عقب ذلك، ذكرت الآية: {واتل عليهم نبأ الذي ... } ، وبعدها، ورد قوله تعالى: {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث اَو تتركه يلهث، ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} (الاَعراف: 176) .
فقد عرضت الآيات الأولى للعهد الذي بين الله وذرية آدم، وأشارت الآية الأخيرة إلى حالة القوم الكافرين، فكأن الآية، موضوع التوجيه والترجيح، لم ترد في هذا السياق إلا لتقدم مثلا أو نموذجا لمن خرج عن العهد الذي عاهد الله عليه ليصير من القوم الكافرين، فهي تقدم نموذج الإنسان الذي يودع الله في قلبه عناصر تدعوه إلى الهدى، فطرة وعلما، ولكنه يعرض عن الهدى بعدما تبين له النور. ولا تعلق لها بنبي من أنبياء الله.
وقد لاحظ الإمام البقاعي هذا التناسب، وشرحه بقوله:"ولما ذكر لهم ما أخذ عليهم في كتابهم من الميثاق الخاص الذي انسلخوا منه، وأتبعه الميثاق العام الذي قطع به الأعذار، اتبعها بيان ما يعرفونه من حال من انسلخ عن الآيات، فأسقطه الله من ديوان السعداء، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يتلو ذلك عليهم، لأنه، مع الوفاء بتبكيتهم، من أدلة نبوته الموجبة عليهم اتباعه، فذكره ما وقع له في نبذ العهد والانسلاخ من الميثاق بعد أن كان قد أعطى الآيات وأفرغ عليه من الروح، فقال:"واتل"؛ أي اقرأ شيئا بعد شيء"عليهم"، أي اليهود وسائر الكفار بل الخلق كلهم .." [49] .
وانطلاقا من استحضار هذا السياق الحاف بالآية، يمكن، تجاوزا، إدخال"أمية بن أبي الصلت"في مشمولات لفظ"الذي"، كما ذهب إلى ذلك عبد الله بن عمرو وغيره، باعتبار أنه اسم لا يلغي تخصيص"الذي"بالرجل من بني إسرائيل، إنما تقدم أعيانا من ذلك الإعراض ونماذج بين يدي الخلق كلهم كما نبه عليه الإمام البقاعي.
إن النماذج التطبيقية السابقة سيقت لإبراز كيف أن السياق لا يعين على التفسير فقط، وإنما يمارس وظيفة ترجيحية بين الدلالات التي تمنح للآية الواحدة، ومن ثم، فإنه يمثل إحدى قواعد الترجيح التي على المفسر أن يعملها وهو يعرض لأقوال المفسرين، أو يسعى، إن كملت له آلة الفهم، إلى إدراك دلالة الخطاب.
إن ما أقدمنا على عرضه من نماذج إنما كان لهدف واحد وهو أن إعمال السياق يسهم في القيام بمهمة الترجيح بين الأقوال، وبالتالي، فهو يساعد على إنجاز مراجعة شاملة لأقوال المفسرين ومذاهبهم في التأويل، وهذا ما سعت الدراسة إلى التذكير به.