وباستقراء كتب التفسير، يلحظ الدارس أن المفسرين قدموا لقوله تعالى: {أسفل سافلين} الدلالتين الآتيتين: الهرم والشيخوخة، وأرذل العمر ابن عباس وعكرمة، وقتادة، وأبو العالية، ومجاهد ... . النار قتادة، وابن زيد .. [28] .
والجدير بالذكر أن الطبري رجح القول الأول، وانطلق في استدلاله من قوله تعالى: {فما يكذبك بعد بالدين} ، وقال:"وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب في ذلك لأن الله تعالى ذكره أخبر عن خلقه ابن آدم، وتصريفه في الأحوال، احتجاجا بذلك على منكري قدرته على البعث بعد الموت، ألا ترى أنه يقول: {فما يكذبك بعد بالدين} ، يعني هذه الحجج، ومحال أن يحتج على قوم كانوا منكرين معنى من المعاني بما كانوا له منكرين، وإنما الحجة على كل قوم بما لا يقدرون على دفعه، مما يعاينونه ويحسونه أو يقرون به، وإن لم يكونوا له محسين. وإذ كان ذلك كذلك، وكان القوم للنار التي كان الله يتوعدهم بها في الآخرة منكرين، وكانوا لأهل الهرم والخرف من بعد الشباب والجلد شاهدين، عُلِمَ أنه إنما احتج عليهم بما كانوا له معاينين، من تصريفه خلقه، ونقله إياهم من حال التقويم والحسن والشباب والجلد إلى الهرم والضعف وفناء العمر وحدوث الخرف" [29] .
ولكن هذا الاستدلال قد يقوم لهم حجة، لأن فيهم الدهريين الذين يعتقدون أن الفناء مآل الإنسان، فلعل القول بالرد إلى أرذل العمر يكون متساوقا مع مذهبهم، ولذلك، فقد رجح البعض الدلالة الثانية، أي النار أو سوء العاقبة دنيا وآخرة، خُلُقًا واتصافا، وحكموا في ذلك دلالة السياق، إذ استثنى القرآن بعد ذلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا معنى لهذا الاستثناء إذا كان الرد يتعلق بالهرم وأرذل العمر، إذ المؤمنون العاملون بالصالحات مشتركون مع الكفار في خضوعهم لقانون الشيخوخة وسريانه عليهم، إلا إذا اعتبرنا الاستثناء، هنا، منقطعا على تأويل بعضهم، وقد ذكر الطبري ذلك، وجعله محتملا،"لأنه يحسن أن يقال ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون بعد أن يرد أسفل سافلين" [30] ، بمعنى:"لكن الذين ءامنوا ..".
ونظرا لتردد دلالة الآية بين هذين المحملين، انتهى القرطبي إلى تجويزهما معا، خاتما كلامه بقول:"والاستثناء، على قول من قال:"أسفل سافلين: النار، متصل ومن قال إنه الهرم، فهو منقطع" [31] ، وبه قال كثير من المفسرين مثل أبي حيان في البحر المحيط [32] ، وابن جزي في التسهيل [33] ."
إن هذا النموذج يبين كيف أن السياق النصي القريب للآية لا يرجح دلالة على أخرى، بل إنه يقويهما معا، وقد اهتدى بعض المفسرين إلى تجاوز هذا السياق القريب، والالتفات إلى سياق أبعد، ونظروا في سورة"التين"على ضوء علاقتها بسورة الشرح الواردة قبلها. ونجد نواة هذه الالتفاتة عند أبي حيان، فقد قال في بداية تفسيره لسورة"التين":"هذه السورة مكية في قول الجمهور، وقال ابن عباس وقتادة مدنية، ولما ذكر الله فيما قبلها مَنْ كمل الله خَلقا وخُلقا، وفضله على سائر العالم، ذكر هنا حالة من يعاديه وأنه يرده أسفل سافلين في الدنيا والآخرة" [34] ، وهي إشارة تقيم علاقة تقابلية بين المتحدث عنه في سورة"الشرح"وهو الرسول الكريم، والمتحدث عنه في سورة التين، وهو الإنسان، إما جنسه أو كافره.
وقد عمق السيوطي هذه الالتفاتة مسترشدا بكلام بعض الشيوخ، يقول:"نقل الشيخ أبو العباس تاج الدين ابن عطاء الله السكندري في"لطائف المنن"عن الشيخ أبي العباس المرسي، قال: قرأت مرة"والتين والزيتون"، إلى أن انتهيت إلى قوله: {لقد خلقنا الاِنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين} ، ففكرت في معنى هذه الآية، فألهمني الله أن معناها لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحا وعقلا، ثم رددناه أسفل سافلين نفسا وهوى" [35] . وهذا يعني أن تفسير الآية متجه نحو الأحسنية في الخُلُق والعقل والأسفلية في الخُلُق والسلوك، ولا تعلق لها بالهيئة والهرم، ومن ثم، فقد بحث السيوطي في وجه مناسبة إيراد سورة"التين"عقب سورة"الشرح"، فظهر له أن سورة"الشرح""أخبر فيها عن شرح صدر النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك يستدعي كمال عقله وروحه، فكلاهما في القلب الذي محله الصدر، وعن خلاصه من الوزر الذي ينشأ من النفس والهوى، وهو معصوم منهما، وعن رفع الذكر، حيث نزه مقامه عن كل موهم، فلما كانت هذه السورة في هذا العَلَم الفرد من الإنسان، أعقبها بسورة مشتملة على بقية الأناسي، وذكر ما خامرهم في متابعة النفس والهوى" [36] .
سورة الشرح ــــ كمال شخص الرسول
سورة التين ــــ أسفلية الإنسان غير المؤمن