الصفحة 5 من 14

الأمر في العادات جريان التكاسل والتساهل في السعي بسبب البيع، فإن وقت الجمعة يوافي الخلق وهم منغمسون في المعاملات فكان ذلك أمرا مقطوعا به لا يتمارى فيه، فعقل أن النهي لكونه مانعا من السعي الواجب" [44] ."

والملاحظ أن الإمام الغزالي وإن عبر عن السياق من خلال فكرة القصد أو ما نزلت لأجله الآية، فإنه استعان على فهم هذا السياق بعناصر مقالية متمثلة في قوله تعالى في صدر الآية: {يأيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ... } وعناصر مقامية متمثلة فيما عليه حال الناس وقت النداء إلى الجمعة من تكاسل وتساهل في السعي وانغماس في المعاملات.

وقد أضاف الإمام الغزالي مثالا آخر يشرح به المقصود من السياق قائلا: ومن هذا القبيل قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} (الاِسراء: 23) ، فإن الآية سيقت لقصد معلوم وهو الحث على توقير الوالدين وإعظامهما واحترامهما، والبر والإحسان إليهما، والتأفيف إيذاء، والإيذاء يناقضه الإعظام، فالضرب وأنواع التعذيب يشمل على مثل ذلك الإيذاء فهو بمناقضة الواجب أولى، فقد وجب فيها العلة وزيادة، فكان ذلك اعتبارا بطريق الأولى" [45] ."

وهذا المعنى وإن لم يَرْقَ من حيث الشيوع والتداول إلى مرتبة المعاني السابقة، إلا أنه معنى حاضر في كلام الأصوليين وفي مقدمتهم الإمام الشاطبي الذي استعمل هذا المصطلح للدلالة على ما هو أشمل من الآيات والجمل المحيطة بالآية أو الجملة موضوع الدراسة.

ومن الأمثلة التي توضح هذا الاستعمال: قوله تعالى: {الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} (الاَنعام: 83) ، فهذه الآية لما نزلت شق مضمونها على بعض الصحابة، وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال عليه السلام:"إنه ليس بذاك ألا تسمع إلى قول لقمان: {إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان: 12) " [46] ؛ فجوابه، عليه السلام، يفيد أن المقصود إنما هو نوع خاص من الظلم وليس أي ظلم، قال الإمام الشاطبي:"فأما قوله تعالى: {الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} الآية، فإن سياق الكلام يدل على أن المراد بالظلم أنواع الشرك على الخصوص فإن السورة من أولها إلى آخرها مقررة لقواعد التوحيد وهادمة لقواعد الشرك وما يليه، والذي تقدم قبل الآية قصة إبراهيم، عليه السلام، في محاجته لقومه بالأدلة التي أظهرها لهم في الكوكب والقمر والشمس، وكان قد تقدم قبل ذلك قوله: {ومن اَظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته} (الاَنعام: 22) ، فبين أنه لا أحد أظلم ممن ارتكب هاتين الخلتين وظهر أنهما المعني بهما في سورة الأنعام إبطالا بالحجة وتقريرا لمنزلتها في المخالفة وإيضاحا للحق الذي هو مضاد لهما" [47] .

ففي ضوء معطيات السورة بكاملها، وبالرجوع إلى الآيات السابقة، فسر الإمام الشاطبي معنى الظلم، وسمى وسيلته في ذلك"سياق الكلام".

ولا تعني هذه الوسيلة ما هو مرتبط بالمقال فقط، بل تعني، أيضا، ما هو مرتبط بالمقام مثل سبب النزول وحال المخاطبين وظروف القول، ومن الشواهد على ذلك:

ـ لما نزل قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} (الاَنبياء: 97)

قال بعض الكفار:"فقد عبدت الملائكة وعبد المسيح"كذلك قال مثلهم أحد المسلمين حتى أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال له فيما روي عنه:"ما أجهلك بلغة قومك يا غلام!" [48] ؛ لأنه جاء في الآية"إنكم وما تعبدون"، و"ما"لِما لا يعقل فكيف تشمل الملائكة والمسيح؟ قال الإمام الشاطبي وقد زاد هذه الآية توضيحا بالاعتماد على السياق:"والذي يجري على أصل مسألتنا [49] أن الخطاب ظاهره أنه لكفار قريش ولم يكونوا يعبدون الملائكة والمسيح وإنما كانوا يعبدون الأصنام، فقوله"وما تعبدون"عام ... في الأصنام التي كانوا يعبدون فلم يدخل في العموم الاستعمالي غير ذلك، فكان اعتراض المعارض جهلا منه بالمساق وغفلة عما قصد في الآيات" [50] .

فلقد استند الإمام الشاطبي في فهمه هذا على النظر في الواقع آنذاك وما هو عليه حال كفار قريش المخاطبين بهذه الآية، واعتبر ذلك من السياق، قال:"ومثله ما في الصحيح [51] أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت