الصفحة 10 من 14

يتسع مفهوم السياق عند الأصوليين ليشمل ما له علاقة بالمخاطِب أو المتكلم، والمخاطَب أو المستمع، وظروف الخطاب وملابساته المختلفة كأسباب النزول والورود وعادات العرب وأعرافها حالة التنزيل، يتجلى هذا المفهوم من خلال شواهد صريحة من أقوال أئمة الأصول على اختلاف مذاهبهم، وقد قدمنا بعض هذه الشواهد في الاستدلال على استعمال ما يرادف السياق من العبارات مثل: القرينة وخاصة منها القرينة الحالية ودلالة الحال ومقتضيات الأحوال والمقام، ونضيف هنا ما يشهد لكل عنصر من عناصر هذا السياق:

حال المخاطِب أو المتكلم: وقد اعتمد عليه من يسمون بالواقفية في الرد على أرباب العموم من الأصوليين، حكى الإمام الغزالي اعتراضهم قائلا:"... قصد الاستغراق يعلم بعلم ضروري يحصل عن قرائن أحوال ورموز وإشارات وحركات من المتكلم وتغيرات في وجهه، وأمور معلومة من عادته ومقاصده، وقرائن مختلفة لا يمكن حصرها في جنس ولا ضبطها بوصف بل هي كالقرائن التي يعلم بها خجل الخجل ووجل الوجل وجبن الجبان، وكما يعلم قصد المتكلم إذا قال السلام عليكم أنه يريد التحية أو الاستهزاء واللهو، ومن جملة القرائن فعل المتكلم فإنه إذا قال على المائدة هات الماء فهم أنه يريد العذب دون الحار الملح ..." [89] . فكل ما يصدر عن المتكلم أثناء كلامه من إشارات ورموز وحركات وتغيرات في وجهه ... أدلة تبين مراد المتكلم وتظهر قصده من كلامه دون أن تكون تابعة للفظه"فمن سلم أن حركة المتكلم وأخلاقه وعادته وأفعاله وتغير لونه وتقطيب وجهه وجبينه وحركة رأسه وتقليب عينيه تابع للفظه بل هي أدلة مستقلة يفيد اقتران جملة منها علوما ضرورية" [90] .

ويلحق بحال المتكلم سكوته، إذ عد الأصوليون عدم تلفظ المتكلم في مناسبات معينة دليلا مفيدا لمعنى، وذلك"كسكوته صلى الله عليه وسلم عن أمر يشاهده من قول أو فعل ليس معتقد كافر ولا سبق تحريمه كالمعاملات التي كان الناس يتعاملون والمآكل والمشارب التي كانوا يتعاطونها ولم يقع منه نهي عنها ولا نكير على فاعليها، فإنه دليل على جواز ذلك في الشرع لضرورة حاله فإنه لا يجوز له أن يقر الناس على منكر لأنه داع للخلق إلى الحق وصفه الله بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: {يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} (الاَعراف: 157) " [91] .

ويلحق بحال المتكلم، أيضا، طريقة أدائه للكلام، وفي هذا الصدد تنبه الأصوليون إلى الأثر الدلالي الذي تحدثه بعض ظواهر الأداء الصوتي خصوصا منها ظاهرتي الوقف والابتداء، قال الإمام الغزالي:"الوقف على السماوات في قوله تعالى: {وهو الله في السموات و في الاَرض يعلم سركم وجهركم} (الاَنعام: 4) له معنى يخالف الوقف على الأرض، والابتداء بقوله: {يعلم سركم وجهركم} ، وقوله تعالى: {وما يعلم تاويله إلا الله والراسخون في العلم} (ءال عمران: 7) من غير وقف، يخالف الوقف على قوله:"إلا الله"وذلك لتردد الواو بين العطف والابتداء" [92] .

حال المخاطَب أو المستمع: ولا تقل أهميته عن حال المتكلم، قال الشيخ ابن تيمية:"والحال، حال المتكلم والمستمع، لابد من اعتباره في جميع الكلام [93] "ومما يوضح أهمية المستمع ضمن الحدث الكلامي عند الأصوليين، سلوكهم في بيان مراتب ألفاظ الرواة في نقل الأخبار عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأيضا"سلوكهم في عملية الترجيح بين الروايات المتعددة، فكون المستمع قد سمع مباشرة من الرسول، صلى الله عليه وسلم، أو له صلة بالحادثة المتصلة بالرواية أو شخصا أعقل أو أعلم أو أعدل من سواه كان من العوامل المرجحة والمؤكدة لمعنى من المعاني أو حكم من الأحكام" [94] .

وقد ذكر الإمام الزركشي ضمن ما تُرجح به الرواية أمورا عديدة ترجع إلى حال المستمع من حيث درجة علمه وفقهه وسنه وطول صحبته [95] .

علاقة المتكلم بالمستمع: وهي ما يعبرون عنها أحيانا ب"عهد المتخاطبين" [96] ولا تخفى أهميتها في الكشف عن المعنى، قال الإمام الغزالي منكرا أن تدل صيغة الأمر بمجردها على الوجوب:"... وكل ذلك علم بالقرائن فقد تكون للآمر عادة مع مأمور وعهد وتقترن به أحوال وأسباب بها يفهم الشاهد الوجوب" [97] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت