الصفحة 7 من 14

وهذا ما سيكشف عنه القسم الثاني من هذا البحث:

لم يصرح الأصوليون بمفهوم"السياق"بهذه الصيغة في كل مناسبة يستعملونه في الكشف عن مراد الله تعالى وفهم مقصوده، ولكن أقوالهم وأفكارهم وتحليلاتهم تكشف عن وجود مثل هذا المفهوم في أذهانهم وهم يمارسون عملية الفهم هذه. والذي يدل على ذلك:

لقد عبر الأصوليون في مناسبات عديدة عن أن المطلوب هو"مراد الشارع"و"قصد الشارع"، يقول الإمام ابن قيم:"التعويل في الحكم على قصد المتكلم والألفاظ لم تقصد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني والتوصل إلى معرفة المراد" [58] ، كما يقول:"والألفاظ ليست تعبدية والعارف يقول ماذا أراد واللفظي يقول ماذا قال" [59] ليخلص إلى التمييز بين مستويين من الفهم مستوى عام وهو مستوى إدراك اللفظي، ومستوى خاص وهو مستوى إدراك العارف الفقيه فيقول:"والفقه أخص من الفهم وهو فهم مراد المتكلم من كلامه وهذا قدر زائد على مجرد وضع اللفظ في اللغة، وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تتفاوت مراتبهم في الفقه والعلم" [60] ، ولا شك أن المستوى الثاني هو المطلوب كما يقرر ذلك الإمام الشاطبي مؤكدا رأي ابن قيم في التمييز بين المستويين وإن اختلف تعبيره عنهما، قال:"كل عاقل يعلم أن مقصود الخطاب ليس هو التفقه في العبارة بل التفقه في المعبر عنه وما المراد" [61] .

وأيا كانت التسمية، فإن المستوى الأول يخص المعنى اللغوي الواضح أو الظاهر أو الحرفي، وهو المعنى المستفاد من النص فحسب، أما المستوى الثاني فيخص المعنى الدلالي المعبر عن مراد المتكلم أو ما يسمونه ب"الدلالة الحقيقية"التي يتم تحصيلها"بحسب الكلام في نفسه وما يقترن به من القرائن الحالية واللفظية والمتكلم به وغير ذلك" [62] ؛ أي عن طريق الاستفادة من السياق بمعناه الشامل لشقيه المقالي (أو اللفظي) والمقامي أو (الحالي) .

لم يتناول الأصوليون الصيغ والنصوص بالبحث مجردة عن سوابقها ولواحقها وظروف ورودها، وأحوال المخاطَبين بها وغير ذلك مما من شأنه أن يوضح المراد منها وما تعنيه حقيقة لا ظاهرا. وهذا ما تكشف عنه مباحث العام والخاص، والأمر والنهي، والمنطوق والمفهوم، والحقيقة والمجاز، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين ... إلى غير ذلك.

فاللفظ العام، مثلا، لا تبقى دلالته على الشمول والاستغراق وذلك أن"العموم إنما يعتبر بالاستعمال، ووجوه الاستعمال كثيرة ولكن ضابطها مقتضيات الأحوال التي هي ملاك البيان" [63] .

ودراسة الأصوليين لأدلة تخصيص العام تدل على إدراكهم الواعي لعناصر السياق وأثرها في تحديد المعنى، وهي عناصر مقالية كآية أخرى، أو حديث آخر متصل باللفظ العام أو منفصل عنه، وعناصر مقامية كالحس والعقل والعادة وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وسبب ورود العام ... (مع تفصيل الأصوليين لشروط جواز التخصيص بهذه العناصر، وخلافهم أيضا في بعضها) .

وصيغة الأمر لا تفيد دائما الوجوب، بل رصد لها الأصوليون أكثر من معنى مثل الندب والإرشاد والإباحة والتأديب والامتنان والإكرام ... كما رصدوا لصيغة النهي وجوها متعددة من المعاني: مثل التحريم والكراهة والتحقير ...

فمجيء هذه الصيغ بهذه المعاني المتعددة، ينبئ عن وعي الأصوليين بأثر السياق في تحديد المعنى، ولاشك أن منه العناصر المقالية والعناصر المقامية. ويبلغ الاعتماد على السياق بشقيه المقالي والمقامي أقصى مدى عند من يسمون بالوافقية وهم الذين يتوفقون في دلالة صيغ العموم إذ يرون أنها لا تدل على عموم ولا على خصوص أصلا، وأن دلالتها على ذلك تابعة للسياق، وأيضا الذين يتوفقون في دلالة صيغة الأمر إلى أن يدل السياق على المعنى المقصود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت