وقال الإمام الولاتي المالكي متحدثا عن شروط جواز نقل الحديث بالمعنى:"... ولابد أن يكون الناقل له بالمعنى عارفا بمدلولات الألفاظ التي يأتي بدلها، وبمقاماتها الكلام ومقتضياتها" [76] .
يتجلى هذا المفهوم على مستويين:
السياق المقالي الخاص: ونقصد به النصوص السابقة أو اللاحقة للنص المراد بيانه أو
تأويله، أو جملة النصوص المتراصة مع هذا النص.
قال الإمام الشاطبي مؤكدا أن فهم نص ما لا يتم إلا بعد استيفاء جميع أجزائه بالنظر وملاحظة أحواله وأطرافه:"... فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله وأوله على آخره، فإن فرق النظر في أجزائه فلا يتوصل إلى مراده" [77] ، وأيضا فإن"الاقتصار على بعض الآية في استفادة حكم ما لا يفيد إلا بعد كمال النظر في جميعها" [78] .
وشأن متبعي الهوى الأخذ ببعض الكلام دون بعض، وشأن الراسخين في العلم استيفاء النظر في جميع الكلام، قال الإمام الشاطبي أيضا:"فمن لا يعتبره من أوله إلى آخره، ويعتبر ما ابتنى عليه زل فهمه، وهو شأن من يأخذ الأدلة من أطراف العبارة الشرعية ولا ينظر بعضها ببعض، فيوشك أن يزل. وليس هذا من شأن الراسخين وإنما هو شأن من استعجل طلبا للمخرج في دعواه" [79] .
السياق المقالي العام: وهو الذي يتجلى مفهومه من خلال التعامل مع القرآن الكريم وما صح من السنة النبوية الشريفة على أنهما وحدة متكاملة يبين بعضه بعضا أو على أنهما"لفظة واحدة وخبر واحد موصول بعضه ببعض ومضاف بعضه إلى بعض ومبني بعضه على بعض" [80] كما قال الإمام ابن حزم، وقال أيضا"والحديث والقرآن كله كلفظة واحدة فلا يحكم بآية دون أخرى ولا بحديث دون آخر بل يضم كل ذلك بعضه إلى بعض إذ ليس بعض ذلك أولى في الإتباع من بعض ومن فعل غير هذا فقد تحكم بلا دليل" [81] ، كما ألح الإمام الشاطبي على هذه الوحدة قائلا:"المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض على حسب ترتيبه في التنزيل وإلا لم يصح" [82] ، وقال في موضع آخر:"مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامها المرتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر ببينها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها، فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام فذلك الذي نظمت به حين استنبطت" [83] .
والأصوليون وهم يتعاملون مع جميع النصوص الشرعية على اعتبار أنها سلسلة واحدة موصولة الحلقات، لا يقتصرون في تعاملهم هذا على الصيغ الظاهرة لهذه النصوص بل يتعدونه إلى عللها ومعانيها الشرعية، فتشكل هذه العلل والمعاني الجزئية عن طريق الاستقراء والتتبع معاني كلية وقواعد أو قوانين عامة تنضاف إلى المنصوص وتقوم بالوظيفة نفسها في الفهم والفقه فلا فرق بين قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (فاطر: 18) وقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (الحج: 76) ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) [84] ، وبين قانون كالمحافظة على النفس ووجوب دفع أشد الضررين" [85] ؛"إذ صار ما استقرئ من عموم المعنى كالمنصوص بصيغة عامة" [86] ، من هذا الجانب يمكن للمقاصد الشرعية أن تمنح امتدادا لمفهوم السياق المقالي العام عند الأصوليين، وإن كان من الممكن أيضا أن تندرج ضمن مفهوم السياق المقامي باعتبارها تابعة لحال المتكلم، الشارع، إذ تمثل مقاصده الملحوظة له في التشريع."
وأيا كان الأمر فإن أهمية المعرفة بالمقاصد الشرعية بالغة في فهم النصوص والتوصل إلى حكم الشارع المستنبط منها، مما جعل الأصوليين يعدون المعرفة بهذه المقاصد شرطا من شروط المجتهد، قال الإمام السبكي (توفي 756 هـ) :"الثالث: أن يكون له من الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة ما يكسبه قوة يفهم منها مراد الشارع من ذلك وما يناسب أن يكون حكما له في ذلك المحل وإن لم يصرح به ..." [87] ، واعتبر الإمام الشاطبي"زلة العالم أكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشرع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه" [88] .