الصفحة 11 من 14

قال الإمام الشاطبي:"معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن" [98] ، وقال:"... وليس كل حال ينقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط ..." [99] ، كما قال أيضا:"ومن ذلك معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإن لم يكن تم سبب خاص لا بد لمن أراد الخوض في علم القرآن منه وإلا وقع في الشبه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة" [100] ثم استطرد قائلا:"وقد يشارك القرآن في هذا المعنى السنة إذ كثير من الأحاديث وقعت على أسباب ولا يحصل فهمها إلا بمعرفة ذلك" [101] .

ويلحق بأسباب نزول الآيات وورود الأحاديث أماكن وأوقات نزول هذه الآيات وورود هذه الأحاديث إذ لا شك أن المعرفة بها تساعد في دفع ما يبدو من تعارض بين الآيات، وبيان تاريخ التشريع وتدرجه بوجه عام، وتعد دراسة الأصوليين للناسخ والمنسوخ والتي تتوقف على المعرفة بهذا العنصر من السياق خير دليل على عنايتهم به واعتبارهم له في فهم النصوص الشرعية.

وبالرغم من أن ملابسات التنزيل هذه قد شكلت درايتها علوما مستقلة من جملة العلوم المتعقلة بالقرآن الكريم (علم أسباب النزول-علم المكي والمدني ... ) فإن الأصوليين لم يختلفوا في ضرورة الاستفادة من معطيات هذه العلوم لفقه النصوص واستنباط الأحكام على وجهها الصحيح، بل إن هؤلاء الأصوليين ليسوا في معظمهم سوى طائفة من علماء القرآن [102] الذين يفكرون وينظرون بما تحصل لديهم من علوم ومعارف حول القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

ويلحق بأحوال العرب وعاداتهم عصر التنزيل، أحوال المخاطَبين في كل زمان ومكان، ومما يدل على وعي الأصوليين بهذا العنصر من السياق:

أولا؛ أخذهم بالعرف دليلا شرعيا تبنى عليه الأحكام وتتغير تبعا لذلك بتغيره، ومن تم وقع التنبيه على ضرورة المعرفة بهذا العرف وملاحظة تغيره، قال الإمام القرافي (ت 684 هـ) مخاطبا المجتهد المفتي:"مهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك، فلا تجره على عرف بلدك وسله عن عرف بلده فاجره عليه وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضيين" [103] .

ثانيا؛ إيمانهم بشكل عام بمبدأ مراعاة الظروف وخصوصيات الأحوال عند عملية تطبيق الأحكام، قال الإمام ابن قيم الجوزية:"... وهذا محض الفقه ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم، فقد ضل وأضل وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم" [104] .

هكذا تتدخل عناصر كثيرة من محيط النص، أو الكلام، تنتمي إلى الزمان أو المكان ... أو الأشخاص، لتمنح لهذا النص، أو الكلام، دلالة أخرى تقرب أو توصل إلى المطلوب.

فإذا أضفنا إلى هذه العناصر المقامية تلك العناصر التي كشفنا عنها ضمن مفهوم السياق المقالي، فإننا نكون قد ألقينا بعض الضوء على مفهوم السياق عند الأصوليين، هذا المفهوم الذي لا نلتمسه فقط فيما ورد من شواهد صريحة في الدلالة عليه، وإنما أيضا فيما ثبت من وعي الأصوليين، سواء على المستوى التنظيري أو الوظيفي، بقصور المعنى الظاهر أو الحرفي، ووجوب مراعاة ما يحيط بالصيغ والنصوص من ظروف وملابسات متنوعة للتوصل إلى المعنى السليم المعبر عن إرادة الشارع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت