الصفحة 3 من 14

كما استرشد الإمام الشافعي بالدلالة نفسها أي السياق لفهم أن القصم إنما كان لأهل القرية الظالمين لا القرية نفسها في قوله تعالى في الآية الثانية: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما اخرين، فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون} (الاَنبياء: 11 - 12) ، قال:"فلما ذكر أنها ظالمة بان للسامع أن الظالم إنما هو أهلها دون منازلها التي لا تظلم، ولما ذكر القوم المنشئين بعدها وذكر إحساسهم البأس عند القصم أحاط العلم أنه إنما أحس البأس من يعرف البأس من الآدميين" [16] .

ب. ذكر العالم الحنفي فخر الإسلام البزدوي (توفي 482 هـ) دلالة سياق النظم ضمن الأنواع الخمسة التي تترك بها الحقيقة، ومثل لها بقوله تعالى: {فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا} (الكهف: 29) ، قال:"تركت حقيقة الأمر والتخيير بقوله تعالى: {إنا أعتدنا للظالمين نارا} وحُمل على الإنكار والتوبيخ مجازا" [17] ، فالسياق، هنا، هو قوله تعالى: {إنا أعتدنا للظالمين نارا} الذي لحق بقوله تعالى {فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر} فعدل به من الحقيقة إلى المجاز برأيه، قال شمس الأئمة السرخسي (توفي 490 هـ) في ذلك:"فإن بسياق النظم يتبين أن المراد هو الزجر والتوبيخ دون الأمر والتخيير، وكذلك قوله تعال: {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير} (فصلت: 39) فإن بسياق النظم [18] يتبين أنه ليس المراد ما هو موجب صيغة الأمر بهذه الصفة، وعلى هذا لو أقر: لفلان علي ألف درهم إن شاء الله، لم يلزمه شيء" [19] لأن السياق، وهو صيغة التعليق إن شاء الله، أبطل موجب الإقرار في قوله: لفلان علي ألف درهم.

ج. تحدث العالم المالكي الشريف التلمساني (توفي 771 هـ) عن السياق وهو ما سماه أيضا بالقرينة السياقية ضمن أنواع القرائن المرجحة لأحد الاحتمالين، ومثاله ما احتج به الحنفية وبعض أصحاب المالكية على الإمام الشافعي في جواز انعقاد النكاح بلفظ الهبة انطلاقا من قوله تعالى: {وامرأة مومنة إن وهبت نفسها للنبيء إن اَراد النبيء أن يستنكحها خالصة لك من دون المومنين} (الاَحزاب: 50) ، قال الشريف التلمساني بعد أن استحضر ما تقدم هذه الآية وما لحقها من الآيات:"فهذا السياق كله يدل على أن المراد بالخلوص هو ملك البضع من غير مهر لا اللفظ" [20] .

د. من جملة ما ذكره الإمام الزركشي بخصوص حجية دلالة السياق أن الإمام أحمد احتج بهذه الدلالة على الإمام الشافعي في أن الواهب ليس له الرجوع في هبته من حديث (العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه) [21] "حيث قال الشافعي: هذا يدل على جواز الرجوع؛ إذ قيء الكلب ليس محرما عليه، فقال أحمد: ألا تراه يقول فيه"ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته ..."الحديث، وهذا مثل سوء فلا يكون لنا" [22] . فالسياق هنا كما أشار إليه الإمام أحمد هو قوله عليه الصلاة والسلام في صدر الحديث"ليس لنا مثل السوء".

كما احتج الإمام أحمد بهذه الدلالة في أن المراد من قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمولفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} (التوبة: 60) وجوب استيعاب الأصناف الثمانية بالزكاة، يدل لذلك قوله تعالى الوارد قبل هذه الآية وهو السياق هنا: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن اعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} (التوبة: 58) ،"فإن الله تعالى لما رأى بعض من لا يستحق الصدقة يحاول أن يأخذ منها، ويسخط إذا لم يعط، يقطع طمعهم ببيان أن المستحق لها غيره وهم الأصناف الثمانية" [23] .

يقصد بالسياق ما يلحق الآية أو الجملة فقط دون ما يسبقها؛ إذ يظهر قولهم:"صدر الآية وسياقها" [24] ، و"دلالة السياق والسباق" [25] ، و"قرينة نطقية سياقية" [26] .

ومثاله ما ذكره العالم الحنفي عبد العزيز البخاري (توفي 730 هـ) من احتجاج الحنفية على الشافعي حول انعقاد النكاح بلفظ الهبة إذ قال:"فاحتجوا بقوله تعالى: {وامرأة مومنة إن وهبت نفسها للنبيء إن أراد النبيء أن يستنكحها خالصة لك} (الاَحزاب: 50) ؛ أي أحللنا لك من وقع لها أن تهب لك نفسها ولا تطلب مهرا من النساء المؤمنات إن اتفق ذلك، ومتى جاز نكاح النبي، عليه السلام، وهو قدوة الأمة جاز لأمة إلا حيث تثبت الخصوصية ... والدليل على ما ذكرنا صدر الآية وسياقها فإن المذكور في أول الآية"أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن" [27] وفي سياقها"قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم" [28] فعرفنا أن الخلوص له الإباحة بغير مهر وأن لا إباحة لغيره إلا بفرض مهر" [29] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت