وهو ما عبر عنه الشيخ حسن العطار (توفي 1250 هـ) بقوله:"والسياق ما سيق الكلام لأجله" [30] ، والمراد من كون الكلام مسوقا لمعنى"أن يدل على مفهومه مقيدا بكونه مقصودا" [31] أحيانا على اعتبار المقصود الأصلي فقط، وأحيانا أخرى على اعتبار المقصود الأصلي والتبعي معا.
فمفهوم السياق هنا مرتبط بفكرة القصد أي قصد الشارع إلى هذا المعنى أو ذاك، ويستدل على هذا القصد بأدلة متنوعة قد توجد ضمن المقال أو خارجه.
وقد استعمل الحنفية هذا المعنى أكثر من غيرهم خصوصا ضمن مباحث أقسام واضح الدلالة وطرق دلالة الألفاظ.
فحين عمد بعضهم مثلا إلى تحديد ما سموه الظاهر والنص من بين أقسام واضح الدلالة عندهم قالوا إن الظاهر هو الذي لا يكون معناه مقصودا من السياق أو هو الذي لم يسق له الكلام فرقا بينه وبين النص الذي سيق له الكلام، قال العلامة ابن الهمام الحنفي (861 هـ) :"فمتأخرو الحنفية: ما ظهر معناه الوضعي بمجرده محتملا؛ أي لغير معناه الظاهر احتمالا مرجوحا إن لم يسق، الكلام، له أي ليس المقصود من استعماله فهو بهذا الاعتبار الظاهر، وباعتبار ظهور ما سيق له مع احتمال التخصيص والتأويل: النص" [32] .
فالمعنى الظاهر من قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} (البقرة: 274) ، هو حل البيع وحرمة الربا إلا أن هذا المعنى غير مسوق بالكلام؛ لأن الآية سيقت للرد على الكفرة القائلين بتماثل البيع والربا بدليل قوله تعالى في صدر الآية: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} فجاء قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} نصا في التفرقة بين البيع والربا [33] .
وحين عرف الحنفية دلالتي العبارة الإشارة (من بين طرق الدلالة عندهم) قالوا:"إن الاستدلال بعبارة النص هو العمل بظاهر ما سيق الكلام له" [34] ، وأيضا"الثابت بالعبارة ما كان السياق لأجله ويعلم قبل التأمل أن ظاهر النص متناول له" [35] ،"أما الاستدلال بإشارته فهو العمل بما ثبت بنظمه لغة لكنه غير مقصود ولا سيق له النص وليس بظاهر من كل وجه" [36] ، أو أن"الثابت بالإشارة ما لم يكن السياق لأجله لكنه يعلم بالتأمل في معنى اللفظ من غير زيادة فيه ولا نقصان وبه تتم البلاغة ويظهر الإعجاز" [37] .
وفي كلام بعض الأصوليين أن معنى المسوق له هنا ما يكون مقصودا في الجملة سواء كان مقصودا بالأصالة أو لم يكن، فجعلوا الاستدلال بآية النكاح [38] مثلا على العدد وعلى إباحة النكاح استدلالا بعبارته كما هو الشأن عند الإمامين البزدوي [39] والسرخسي [40] بينما ذهب البعض الآخر إلى أن معنى المسوق له هنا ما يكون مقصودا في الجملة بالأصالة فقط، فتكون آية النكاح هذه دالة بالعبارة على العدد، ودالة بالإشارة على إباحة النكاح (كما هو الشأن عند صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود(توفي 747 هـ) [41] .
والخلاف في هذا لا يعنينا فيما نحن بصدد البحث عنه، ومن بين الأمثلة الواردة في دلالة العبارة ودلالة الإشارة والتي يظهر فيها استعمال مصطلح السياق: قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} (الحشر: 8) ، فالثابت بالعبارة في هذه الآية نصيب من الفيء لهم لأن سياق الآية لذلك كما قال تعالى في هذه الآية: {ما أفاء الله على رسوله ... } (الحشر: 7) ، والثابت بالإشارة أن الذين هاجروا من مكة قد زالت أملاكهم عما خلفوا بمكة لاستيلاء الكفار عليها، فإن الله تعالى سماهم فقراء، والفقير حقيقة من لا يملك المال لا من بعدت يده عن المال [42] .
وتبعا للمعنى نفسه يشرح لنا الإمام الغزالي المقصود من السياق وذلك انطلاقا من قوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} (الجمعة: 9) ؛ إذ فهم منها أن البيع ليس مقصودا النهي عنه لعينه، وإنما لكونه مانعا من السعي الواجب إلى الجمعة، قال:"فإن قيل: وبم عرف هذا؟ وهلا قيل: السعي إلى الجمعة مقصود بالإيجاب والمنع من البيع أيضا مقصود؟ قلنا: فهم ذلك من سياق الآية: فإن قيل: السياق عبارة مجملة، فما معنى السياق؟ وما مستند هذا الفهم؟"
قلنا: المعني به: أن هذه الآية في سورة الجمعة إنما نزلت وسيقت لمقصد، وهو بيان الجمعة، قال الله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم} [43] الآية، وما نزلت الآية لبيان أحكام البياعات ما يحل منها وما يحرم، فالتعرض للبيع، لأمر يرجع إلى البيع في سياق هذا الكلام، يخبط الكلام ويخرجه عن مقصوده، وليس يتعلق به إلا من حيث كونه مانعا للسعي الواجب، وغالب