إن إهمال السياق برأي الإمام ابن قيم الجوزية يؤدي إلى الوقوع في الغلط والمغالطة، إذ يقرر تحت عنوان"فائدة":"السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته فانظر إلى قوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان: 46) كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير" [11] .
بل لا يليق بكلام الله وكلام رسوله أن يفهم بمعزل عن سياقه، قال الإمام الشاطبي موضحا ذلك:".. كلام العرب على الإطلاق لابد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ، وإلا صار ضحكة وهزءة، ألا ترى إلى قولهم: فلان أسد أو حمار، أو عظيم الرماد، أو جبان الكلب، وفلانة بعيدة مهوى القرط، وما لا ينحصر من الأمثلة لو اعتبر اللفظ بمجرده، لم يكن له معنى معقول، فما ظنك بكلام الله وكلام رسوله" [12] .
إن النظر فيما تحمله هذه الشواهد من اعترافات واضحة بدلالة السياق وأهميتها البالغة في الكشف عن مراد الشارع ضمن مباحث الأصوليين في العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والحقيقة والمجاز، والإجمال والبيان ... يدفعنا ولا شك إلى التساؤل عما يقصده هؤلاء بهذا المفهوم/السياق، وما يعنون بدلالة السياق.
في محاولة الإجابة على هذا التساؤل، وبعد تتبع مجموعة من كتب الأصوليين، لاحظنا ... من خلال استعمالهم لهذه الكلمة/السياق أنها قد تظهر صيغة ومعنى ضمن أدواتهم في الاستدلال على مراد الله تعالى، كما أنها قد تختفي صيغة ولكنها تحضر معنى في أذهانهم وتظهر مغزى على لسان حالهم. لذلك قسمنا البحث في هذا الموضوع إلى قسمين: الأول في"السياق مصطلحا"، والثاني في"السياق مفهوما".
إن إيمان الأصوليين بأهمية السياق في الكشف عن مراد الشارع جعلهم يستحضرونه في مسائل مختلفة وقضايا متنوعة، الشيء الذي صعب معه استقراء وتتبع مختلف استعمالات كلمة سياق ومعرفة المدلول الذي اعتمدوه بشأنها في هذا الموضع أو ذاك، خصوصا مع تعدد المصادر وغزارة المباحث وشساعة المجال.
فالناظر في أقوالهم المبثوثة هنا وهناك يلاحظ أن كلمة سياق ترادف عندهم كلمة سوق، وكلمة مساق، فيقولون: سياق الكلام، ومساق الكلام وسوق الكلام، وهي تأتي في الاستعمال الغالب للتعبير عن المعاني الآتية:
يقصد بالسياق ما يسبق أو يلحق ما هو موضع بيان أو تأويل، أو جملة العناصر المقالية المحيطة بالآية أو الجملة موضوع الدراسة.
والشواهد على استعمال هذا المعنى كثيرة:
أ. أول ما يظهر منها ما سبق أن أشرنا إليه في عنوان باب من أبواب رسالة الإمام الشافعي الأصولية:"باب الصنف الذي يبين سياقه معناه" [13] ، وكان الإمام الشافعي قد أشار إجمالا إلى أن من أساليب العرب أنهم قد يطلقون لفظا ظاهرا ويعرف من سياقه أنه يراد به غير هذا الظاهر [14] وفي هذا الباب يفصل ذلك ويوضحه من خلال آيتين كريمتين: أولاهما قوله تعالى: {وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تاتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تاتيهم، كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} (الاَعراف: 163) .
قال:"فابتدأ جل ثناؤه ذكر الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة فلما قال: {إذ يعدون في السبت ... } الآية، دل أنه إنما أراد أهل القرية لأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون" [15] فقد استرشد الإمام الشافعي بالسياق وهو هنا قوله تعالى: {إذ يعدون في السبت ... } الوارد بعد ذكر القرية، لبيان أن المقصود أهل القرية لا القرية"لأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة".