والسياق هو الذي يتعين فيه معنى المشترك اللفظي إذ يرى غالب الأصوليين أنه ليس له في السياق إلا معنى واحد، كما أن السياق أساسي في ترتيب النصوص الشرعية من حيث الوضوح والخفاء.
ويتجاوز الأصوليون معاني العبارات الظاهرة إلى معانيها المفهومة وذلك فيما يسمى بفحوى الخطاب أو مفهوم الموافقة، وإعمال هذا المفهوم منوط عند فريق من الأصوليين [64] بالسياق فقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} (الاِسراء: 23) يفهم منه النهي عن أنواع الأذى بالنسبة للوالدين، بدلالة سياق الآيات التي تأمر بالإحسان إلى الوالدين ومخاطبتهما بالقول الكريم وتنهي عن انتهارهما وإيذائهما، فضلا عن الوقوف على مقصود الشارع بالنسبة للوالدين من نصوص كثيرة أخرى ... [65] .
وهكذا تدل المباحث المتنوعة على حضور مفهوم السياق والوعي بأهميته البالغة في الفهم والبيان، حتى ليصح القول إن هذا المفهوم قد ظهر عند الأصوليين على المستوى العملي الوظيفي أكثر من ظهوره على المستوى التنظيري الفكري [66] .
مثل: (القرينة أو القرائن) وبخاصة منها المقالية والحالية، وهي العبارة الأكثر تداولا بين الأصوليين، قال الإمام الغزالي موضحا مجال عمل القرينة بصفة عامة:"ويكون طريق فهم المراد تقدم المعرفة بوضع اللغة التي بها المخاطبة، ثم إن كان نصا لا يحتمل، كفى معرفة اللغة، وإن تطرق إليه الاحتمال، فلا يعرف المراد منه حقيقة إلا بانضمام قرينة إلى اللفظ، والقرينة إما لفظ مكشوف ... وإما إحالة على دليل العقل .... وإما قرائن أحوال من إشارات ورموز وحركات وسوابق ولواحق، لا تدخل تحت الحصر والتخمين، يختص بدركها المشاهد لها، فينقلها المشاهدون من الصحابة إلى التابعين بألفاظ صريحة، أو مع قرائن من ذلك الجنس أو من جنس آخر، حتى توجب علما ضروريا بفهم المراد، أو توجب ظنا. وكل ما ليس له عبارة موصوفة في اللغة فتتعين فيه القرائن" [67] .
وذكر الإمام ابن قيم الجوزية أن مراد المتكلم لا يتم تحصيله عن طريق الكلام وحده"بل بحسب الكلام في نفسه وما يقترن به من القرائن الحالية واللفظية والمتكلم به وغير ذلك" [68] .
كما قال في موضع آخر:"والألفاظ لم تقصد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني والتوصل إلى معرفة مراد المتكلم ... فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان عمل بمقتضاه سواء كان بإشارة أو كتابة أو بإماءة أو دلالة عقلية أو قرينة حالية أو عادة له مطردة لا يخل بها" [69] .
(دلالة الحال أو الدلالة الحالية) : نقل الإمام الزركشي عن الإمام القفال الشاشي قوله:"قد يقترن بالخطاب من دلالة الحال ما يقف به السامع على مراد الخطاب" [70] ، وقال الإمام ابن تيمية متحدثا عن لفظ الإشارة:"... فلابد من دلالة حالية أو لفظية تبين أن المشار إليه غير لفظ الإشارة، فتلك الدلالة لا يحصل المقصود إلا بها وبلفظ الإشارة، كما أن لام التعريف لا يحصل المقصود إلا بها وبالمعهود" [71] .
(مقتضيات الأحوال) : قال الإمام الشاطبي:"إن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مدراه على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب أو المخاطب أو المخاطب أو الجميع، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين وبحسب مخاطَبين وبحسب غير ذلك كالاستفهام لفظه واحد ويدخله معان أخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك، وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها ..." [72] وقال:"لا يدل على معناها -يقصد الألفاظ والصيغ المحتملة- إلا الأمور الخارجية وعمدتها مقتضيات الأحوال [73] ، وقال أيضا إن العرب"تطبق ألفاظ العموم بحسب ما قصدت تعميمه، مما يدل عليه معنى الكلام خاصة، دون ما تدل عليه تلك الألفاظ بحسب الوضع الانفرادي، كما أنها أيضا تطبقها وتقصد بها تعميم ما تدل عليه في أصل الوضع، وكل ذلك مما يدل عليه مقتضى الحال" [74] ."
(المقام) : قال الإمام الشاطبي متحدثا عن صيغ الأمر والنهي المطلقة وكيف أن مجيئها في القرآن على ضربين:"أحدهما: أن تأتي على العموم والإطلاق في كل شيء، وعلى كل حال، لكن بحسب كل مقام وعلى ما تعطيه شواهد الأحوال في كل موضع، لا على وزان واحد، ولا حكم واحد، ثم وكل ذلك إلى نظر المكلف، فيزن بميزان تنظره، ويتهدى لما هو اللائق والأحرى في كل تصرف، آخذا ما بين الأدلة الشرعية والمحاسن العادية ..." [75] .