الصفحة 6 من 14

ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون! فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما دعا النبي، صلى الله عليه وسلم، اليهود فسألهم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم، ثم قرأ ابن عباس: {وإذ اَخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} (ءال عمران: 187) ، كذلك حتى قوله {يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} (ءال عمران: 188) ، فهذا من ذلك المعنى أيضا" [52] ."

فمروان ظن العموم من قوله تعالى: {لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب اَليم} (ءال عمران: 188) ، فقال ما قاله لأنه أفرد هذه الآية عما قبلها وجهل سبب نزولها، فبين له ابن عباس المقصود من هذه الآية في ضوء سياقها الذي يدخل في مفهومه هاهنا عناصر مقالية متمثلة في الآيات التي قرأها عليه، وعناصر مقامية متمثلة في سبب نزول هذه الآية.

ـ روى جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، قال:"كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصيام في السفر، وفي لفظ لمسلم: عليكم برخصة الله التي رخص لكم" [53] . فقوله عليه السلام:"ليس من البر الصيام في السفر"لا يدل على العموم بدلالة السياق، قال الشيخ ابن دقيق العيد موضحا ذلك: "أخذ من هذا أن كراهة الصوم في السفر لمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم ويشق عليه أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من القربات، ويكون قوله"ليس من البر الصيام في السفر"منزلا على مثل هذه الحالة، والظاهرية المانعون من الصوم في السفر يقولون: إن اللفظ عام، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويجب أن نتنبه للفرق بين دلالة السياق والقرائن الدالة على تخصيص العام وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب ولا تجريهما مجرى واحد. فإن مجرد ورود العام على السبب لا يقتضي التخصيص به ... أما السياق والقرائن فإنها الدالة على مراد المتكلم من كلامه، وهي المرشدة إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات، فاضبط هذه القاعدة فإنها مفيدة في مواضع لا تحصى، وانظر في قوله عليه السلام:"ليس من البر الصيام في السفر"مع حكاية هذه الحالة من أي القبيلين هو فنزله عليه" [54] .

وقال في موضع آخر مسترشدا بسياق ورود الحديث (الخالة بمنزلة الأم) [55] :"الحديث أصل في باب الحضانة، وصريح في أن الخالة فيها كالأم عند عدم الأم، وقوله عليه السلام:"الخالة بمنزلة الأم"سياق الحديث يدل على أنها بمنزلتها في الحضانة، وقد يستدل بإطلاقه أصحاب التنزيل على تنزيلها منزلة الأم في الميراث إلا أن الأول أقوى، فإن السياق طريق إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات وتنزيل الكلام على المقصود منه" [56] .

ويتسع مدلول السياق ليشمل بالإضافة إلى المعاني السابقة: أسرار التشريع ومعاني الأحكام المبثوثة هنا وهناك والمنسجمة مع المقاصد العامة للتشريع، وهذا ما يسميه الإمام الشاطبي بالمساق الحكمي الذي"يختص بمعرفته العارفون بمقاصد الشارع" [57] تمييزا له عن المساق العربي الذي يدرك بمطلق الفهم العربي في الاستعمال.

نستنج مما تقدم أن السياق مصطلحا يطلق عند الأصوليين ويراد به الأمور التالية:

ـ النصوص السابقة واللاحقة لما يراد بيانه أو تأويله، والنصوص البعيدة والسورة بأكملها.

ـ قصد الشارع (الملحوظ في النص المراد بيانه أو تأويله) ومقاصد التشريع (المبثوثة هنا وهناك) .

ـ سبب نزول الآية وورود الحديث وحال المخاطَبين وظروف القول.

وبهذا يتضح أن مصطلح السياق عند الأصوليين يشمل عناصر السياق المقالي والمقامي.

وبالرغم من أن هذا المصطلح يبدو مستعملا في الغالب للتعبير عن العناصر المقالية، ولا سيما العناصر السابقة أو اللاحقة لما يراد بيانه أو تأويله، فإن ذلك لا يعني قصورا في وعي الأصوليين بأهمية العناصر الأخرى في الفهم والبيان، كما أن غياب التنصيص في كل مرة على مفهوم شامل لها، لا يعني عدم توظيفه وسيلة أساسية في الكشف عن مراد الشارع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت