نوقش هذا الاستدلال: من وجهين:
الوجه الأول: قال ابن عبد البر- رحمه الله تعالى-: فإن لم يكن فراش وادعى أحدٌ ولدًا من زنًا فقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يليط أولاد الجاهلية بمن استلاطهم ويلحقهم بمن استلحقهم إذا لم يكن هناك فراش، لأن أكثر أهل الجاهلية كانوا كذلك، وأما اليوم في الإسلام بعد أن أحكم الله شريعته وأكمل دينه فلا يلحق ولد من زنًا بمدعيه أبدًا عند أحد من العلماء كان هناك فراش أولم يكن [1] .
الوجه الثاني: قال الماوردي- رحمه الله تعالى-: إنَّما كان ذلك من عمر - رضي الله عنه - فِي عِهَارِ الْبَغَايَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دُونَ عِهَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْعِهَارُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَخَفُّ حُكْمًا مِنَ الْعِهَارِ فِي الْإِسْلَامِ، فَصَارَتِ الشُّبْهَةُ لَاحِقَةً بِهِ وَمَعَ الشُّبْهَةِ يَجُوزُ لُحُوقُ الْوَلَدِ، وَخَالَفَ حُكْمَهُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ عَنْهُ فِي الْإِسْلَامِ [2] .
الدليل الرابع: قياس الأب من الزنا على الأم الزانية، وذلك أنَّ الْأَبَ أَحَدُ الزَّانِيَيْنِ، فإِذَا كَانَ الولد من الزنا يُلْحَقُ بِأُمِّهِ، وَيُنْسَبُ إِلَيْهَا، وَتَرِثُهُ وَيَرِثُهَا، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَقَارِبِ أُمِّهِ مَعَ كَوْنِهَا زَنَتْ بِهِ، وَقَدْ وُجِدَ الْوَلَدُ مِنْ مَاءِ الزَّانِيَيْنِ، وَقَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ ابْنُهُمَا، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ لُحُوقِهِ بِالْأَبِ إِذَا لَمْ يَدِّعِهِ غَيْرُهُ؟ [3] .
نوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع وجود الفارق، لأن الولد ينسب إلى الأم بسبب الولادة إجماعًا، وأما الأب فالسبب المعتبر شرعًا في نسبة الولد إليه هو أن يولد المولود على فراش شرعي للواطئ, ولا يكفي في الانتساب إليه كون الولد تخلق من مائه [4] .
(1) ينظر: الاستذكار: 7/ 164.
(2) ينظر: الحاوي الكبير: 8/ 162.
(3) ينظر: زاد المعاد في هدي خير العباد: 5/ 382.
(4) ينظر: المبسوط للسرخسي: 17/ 154.