الصفحة 24 من 42

وأما الحالات العادية التي لا يخاف فيها عليه من الهلاك فقد ذهب المالكية [1] ، والشافعية [2] ، والحنابلة [3] ، إلى أن التقاطه يكون فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين وإلا أثموا جميعًا، لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة: 2) .

ولأن في التقاطه إحياء نفس فكان واجبًا كبذل الطعام للمضطر، وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: 32) , إذ بإحيائها يسقط الحرج عن الناس لأنه آدمي محترم [4] .

وذهب الحنفية إلى أن التقاطه في الحالات العادية يكون مندوبًا [5] ، وذلك لما روي أن رجلًا أتى عليًا - رضي الله عنه - بِلَقِيطٍ فَقَالَ: هُوَ حُرٌّ وَلَأَنْ أَكُونَ وَلِيتُ مِنْ أَمْرِهِ مِثْلَ الَّذِي وَلِيتَ أَنْتَ كَانَ أَحَب إلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، فعد جملة من أعمال الخير، ورغب في الالتقاط وبالغ في الترغيب فيه حيث فضَّله على جملة من أعمال الخير للمبالغة في الندب إليه، ولأنه نفس لا حافظ لها بل هي مضيعة فكان التقاطها إحياء لها معنى [6] .

المطلب الثالث: عناية الإسلام باللقطاء:

نظر الإسلام إلى اللقيط نظرة رحمة وعطف وحنان، ولذلك عامله معاملة اليتيم، من حيث حسن الرعاية ووجوب الإنفاق عليه، ما دام بحاجة إلى مساعدة مادية ومعنوية، وجعله في كفالة المجتمع أولًا، ثم في كفالة الدولة ثانيًا، فعن سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ» ؟

(1) ينظر: مختصر خليل: ص 217، والشرح الكبير للدردير: 4/ 124، ومنح الجليل شرح مختصر خليل: 8/ 245.

(2) ينظر: المهذب للشيرازي: 2/ 312، ومغني المحتاج: 3/ 597، ونهاية المحتاج: 5/ 447.

(3) ينظر: المغني: 6/ 112، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة: 6/ 374، وشرح منتهى الإرادات: 2/ 388.

(4) ينظر: المهذب للشيرازي: 2/ 312، والمغني: 6/ 112، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة: 6/ 374.

(5) ينظر: المبسوط للسرخسي: 10/ 209، والبحر الرائق: 5/ 155، وحاشية ابن عابدين: 4/ 269.

(6) ينظر: المبسوط للسرخسي: 10/ 209، وبدائع الصنائع: 6/ 198، وتبيين الحقائق: 3/ 297.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت