الصفحة 17 من 42

الدليل الخامس: قياس الزاني على الملاعن، فإذا كان انتفاء الولد عن الواطئ باللعان لا يمنع من لحوقه به بعد الاعتراف, فكذلك ولد الزنا لا يمنع من لحوقه بالزاني, إذا استلحقه [1] .

نوقش هذا الاستدلال: بالفرق بين ولد اللعان وبين ولد الزنا.

قال الماوردي- رحمه الله تعالى-: إن ولد الملاعنة مخالف لولد الزنا، والفرق بينهما أن ولد الملاعنة لما كان لاحقًا بالواطئ قبل اللعان جاز أن يصير لاحقًا به بعد الاعتراف، لأن الأصل فيه اللحوق والبغاء طَارئٌ، وولد الزنا لم يكن لاحقًا به في حالٍ فيرجِعُ حُكْمُهُ بعد الاعتراف إلى تلك الحال [2] .

الترجيح:

وبعد عرض الأقوال في المسألة وذكر أدلتها وأوجه الاستدلال منها ومناقشتها أقول: قد تبين أن ما تقدم ذكْرُه من أدلة القائلين بعدم إلحاق ولد الزنى بالزاني الذي لا ينازعه صاحب فراش، أَوْرَدَ عليه القائلون بإلحاقه به إيراداتٍ جعلتْه مختلفًا في نهوض الاحتجاج به فهو غير قطعيِّ الدلالة، وأنَّ أدلة القائلين بالإلحاق أورَدَ عليها القائلون بعدمه إيراداتٍ كذلك جعلتْها مختلَفًا في نهوض الاحتجاج بها، فهي أيضا ليست قطعيَّة الدلالة، وعلى غرار ذلك اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنتَه من الزنى أو أخته أو بنت ابنه من الزنى، فحرَّم ذلك قوم منهم ابن القاسم صاحبُ الإمام مالك، ومنهم الإمام أبو حنيفة وأصحابه، وهذا يقتضي أن الزانِيَ أبٌ لولده من الزنى، وأجاز ذلك قوم آخرون منهم عبد الملك بن الماجشون من المالكيَّة، وهو قول الإمام الشافعي، وهذا يقتضي أن الزانِيَ ليس أبا شرعيًّا لولده من الزنى [3] .

ولقد رجَّح أبو بكر بن العربي المالكي عدمَ الإلحاق حيث قال: النسب عبارة عن خلط الْمَاءِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى عَلَى وَجْهِ الشَّرْعِ، فَإِنْ كَانَ بِمَعْصِيَةٍ كَانَ خَلْقًا

(1) ينظر: الحاوي الكبير: 8/ 162.

(2) ينظر: الحاوي الكبير: 8/ 163.

(3) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 6/ 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت