نوقش هذا الاستدلال: بأن المقصود من سؤال جريج, هو السؤال عن المتسبب في وجود الغلام, لا الأب الشرعي الذي ينسب له شرعًا, ويرث منه, فالمقام لا يقتضيه.
قال النووي- رحمه الله تعالى-: قد يقال إن الزاني لا يلحقه الولد، وجوابه من وجهين أحدهما، لعله كان في شرعهم يلحقه، والثاني: أن المراد من ماء من أنت وسماه أبًا مجازًا [1] .
الدليل الثاني: عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بشريك ابن سحماء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: « ... أبْصِرُوها فإِنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ العَيْنَيْنِ سابِغَ الألْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهْوَ لِشَرِيكِ بنِ سَحْماءَ» ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذالِكَ، فَقَالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: «لَوْلاَ مَا مَضَى مِنْ كِتابِ الله لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ» [2] .
وجه الاستدلال: أن قوله: «فَهْوَ لِشَرِيكِ بنِ سَحْماءَ» يدل على نسبة الولد للزاني، ولكن الأيمان التي صدرت من المرأة بإنكار الزنا, منعت من إلحاقه بأبيه من الزنا, فنسب إلى أمه حين انتفى منه زوجها باللعان.
يناقش هذا الاستدلال: بما نوقش به الاستدلال الذي قبله، لأنه لا فرق بينهما في وجه الدلالة.
الدليل الثالث: عن سليمان بن يسار- رحمه الله تعالى- أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - كَانَ يُلِيطُ أَوْلاَدَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلاَمِ [3] .
وجه الاستدلال: أن عمر - رضي الله عنه - وهو أحد الخلفاء الراشدين المهديين كان يلحق أولاد الجاهلية بآبائهم من الزنى.
(1) ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي: 16/ 107.
(2) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين: ص 920 ح 4747، ومسلم: كتاب اللعان: ص 697 ح 1496.
(3) أخرجه الإمام مالك في الموطأ: كتاب القضاء، باب الْقَضَاءُ بِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ: 4/ 1072 ح 2738، والبيهقي في السنن الكبرى: 10/ 444 ح 21263.