الملائمة - على الوقائع والأحداث، فمثلًا عندما يحررون مسائل الولاء والبراء يُتبعون ذلك بسلوك وتطبيق ومواقف عملية تجاه طوائف ودول وأشخاص، كما هو مبسوط في مؤلفاتهم، لكن حصل في هذا الزمان الأخير الاشتغال بالتنظير لتلك المسائل والتنصل من تطبيقها - لجملة من المسوغات التي ليس هذا موضع بحثها ـ، فهؤلاء الغارقون في التنظير تعتريهم الدهشة عندما يطالعون تراث علماء الدعوة وما تحويه من أحكام على واقعهم آنذاك، وربما أنكروا على أئمة الدعوة كما هو حاصل الآن.
وها هو العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله والمعروف بعمق علمه، وبرحابة صدره وسعة أُفقه حتى عند أولئك"الإصلاحيين"؛ يقرر - حسب فتاويه - معنى دار الكفر، ثم ينزِّل هذا الحكم على دول عربية كانت محكومة آنذاك بالاستعمار البريطاني [11] .
4)ينبغي أن يراعى أن أولئك الأعلام رحمهم الله عندما يحكمون بكفر أشخاص وطوائف ومن خلال منظور شرعي؛ كانوا في ظل ولاية شرعية وزمن قوة وغلبة شوكة، ومن ثم نجد أن الأمر ظاهر عندهم، فمن استبان كفره أقيمت عليه الحجة واستتيب فإن تاب وإلا قتل؛ بخلاف زمن الضعف وبداية الدعوة، حيث كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في ابتداء دعوته إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب قال: (الله خير من زيد، تمرينًا على نفي الشرك بلين الكلام، نظرًا إلى المصلحة وعدم النفرة) [12] ؛ بخلاف لما ظهرت الدعوة وقامت الدولة.
ونلاحظ في الطرف المقابل لتلك القوة والعزة ما هو مشاهد في عصرنا من هيمنة وتسلط أمريكا، وغياب الولاية الشرعية في أكثر الأمصار، وخور أهل الإسلام، واستجابة كثير منهم لضغوط ومطالب أمريكا؛ مما جعل أولئك المستسلمين ينفرون من هذه الدعوة التي تصادم ضعفهم واستكانتهم.
5)لا يخفى أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ذات نَفَس جهادي، والناظر إلى كتاب الجهاد من"الدرر السَّنية"يلاحظ فتاوى مهمة وتقريرات علمية في أحكام الجهاد ونوازله، كما يدرك ما حفل به تاريخ الدعوة من معارك وغزوات.
لقد ذاقت بريطانيا في أوج تسلطها ضربات موجعة في بحر الخليج العربي من أتباع الدعوة أو من تسميهم بـ"القراصنة الوهابيين"، كما أن الحركات الجهادية المعاصرة التي أقضّت مضاجع الغرب، ودوّخت الشرق تعدّ امتدادًا لهذه الروح الجهادية.
وقد غَلَب على معشر أهل الإسلام الركون إلى الدنيا وكراهية الموت، وإن اضطر بعضهم إلى الحديث عن الجهاد؛ فيكون بانقباض شديد واختزال مخل، مع تكلف في إيراد الشروط والقيود .. ومن ثم حصلتْ النفرة بين جملة من العلماء والدعاة وبين أهل الجهاد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وسنام ذلك الجهاد في سبيل الله، فإنه أعلى ما يحبه الله ورسوله، واللائمون عليه كثير؛ إذ كثير من الناس الذين فيهم إيمان يكرهونه، وهم إما مخذِّلون مفتِّرون للهمة والإرادة فيه، وإما مرجفون مضعِّفون للقوة والقدرة عليه، وإن كان ذلك من النفاق) [13] .
إن من يسعى إلى إسلام (وديع) يُرضي الأمريكان، ولا يسخط الرحمن؛ كمن يسعى إلى الجمع بين النقيضين، بين الحق والباطل.