الصفحة 44 من 81

والمرتد، والتفسير، والردود.

وانظر إلى هذا التراث المتميّز وما جمعه ابن منقور في كتابه"الفواكه العديدة في المسائل المفيدة"لعلماء نجد قبيل الدعوة، فلا مقارنة بين الأمرين، فمجموع ابن منقور مجرد جزأين في فتاوى ومسائل في فروع مذهب الإمام أحمد، بينما تميزت الدرر بثراء في التأليف، وتنوّع العلوم الشرعية، وقوة الدليل، وصحة الاستدلال، وتنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع والأحداث.

يقول الشيخ عبد الله البسام رحمه الله:(منذ عرفنا علماء نجد حتى قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ فإن علمهم يكاد ينحصر في الفقه أي في المسائل الفروعية الفقهية .. فعلم التفسير والحديث والتوحيد مشاركتهم فيها قليلة جدًا.

فلما انتشرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تغيّر هذا الاتجاه وتنوعت الثقافة وتعددت العلوم، فصارت العناية بالتوحيد لا سيما توحيد الألوهية، وصار الاهتمام بكتب التفسير السلفية كابن جرير وابن كثير والبغوي ونحوها، وصار الالتفات إلى الحديث وأمهات كتبه وشروحه، كما دُرّست أصول هذه العلوم وصار الاهتمام بالفقه، وموضوع الدرس منه هو فقه الإمام أحمد بن حنبل مع الأخذ بالقول الراجح الذي يعضده الدليل.

وإذا أردت المقارنة بين العهدين بتحقيق المسائل العلمية؛ فقارن بين فتاوى علماء نجد التي نقل بعضها الشيخ أحمد المنقور في مجموعه، وبين فتاويهم التي جُمعت في الدرر السَّنية؛ لترى أنهم في الأول يقتصرون على المشهور من المذهب، ويحاولون تطبيق ما يفتون به على ما قاله فقهاء الحنابلة، عارية عن سوق الأدلة من الكتاب والسنة.

أما في الدرر السَّنية فترى الفتاوى مستقاة من مذهب أحمد رحمه الله إلا أنها مقرونة بأدلتها الشرعية، كما تجد أنها قد تخالف المشهور من المذهب حينما يكون الدليل الصحيح خلاف المذهب.

وتجد بجانب الفتاوى الفقهية بعد قيام الدعوة علوم الشريعة الأخرى، فهذا علم التوحيد الذي قامت الدعوة لتحقيقه، وهو الذي نال القسط الأوفر من العناية والتحقيق، والتأليف، وكتابة الرسائل، والنصائح، لا سيما فيما يتعلق بتوحيد العبادة، كذلك نجد الكتابة في التفسير والحديث.

والقصد أنه تغير اتجاه الثقافة بين العهد الأول والعهد الثاني، حيث تحررت الأفكار، واتسعت المدارك، وتعددت جوانب العلوم) [10] .

وقد ادعى بعضهم أن في"الدرر السَّنية"غلوًا وإفراطًا، وتكفيرًا للمخالفين، وتعطشًا للدماء، وهذه مجرد أوهام وظنون، وسبب ذلك الوهم جملة أمور منها:

1)أن أولئك القوم لم ينظروا إلى الملابسات والظروف التي حُررت فيها تلك الرسائل، فليس من الموضوعية أن يُجتزأ نص من الدرر السَّنية دون نظر إلى سياقه ومناسبة تأليفه.

2)أن الناظر إلى تقريرات وأجوبة أولئك الأعلام لَيدرك التزامهم بطريقة أهل السنة، وبراءتهم من تكفير من لا يستحق التكفير، وإن كان ثمة إشكال؛ فإنما هو في تحقيق المناط - التطبيقات - وتنزيل الأسماء والأحكام - كالكفر مثلًا - على الدور والأشخاص، وهذا الاختلاف في تحقيق المناط واقع ووارد، فقد اختلف السلف الأوائل في تكفير الخوارج مع ورود النصوص بمروقهم من الدين، ومع ذلك فجمهور الصحابة - رضي الله عنهم - لا يرون تكفير الخوارج، لكنهم لم يتهموا مخالفيهم - القائلين بتكفير الخوارج - بالتطرف والغلو!

3)لم يقتصر علماء الدعوة على تحرير المسائل وتحقيقها، بل عمدوا إلى تنزيل الأحكام الشرعية -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت