الصفحة 1 من 81

الكاتب: عبد الله الطنطاوي

جاء في سنن أبي داود رحمه الله تعالى وفي غيرها من كتب الحديث الشريف، قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة، من يجدد لها دينها) .

ونحسب أن الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإمام الرباني الأواب، هو مجدد دين هذه الأمة في القرن الثاني عشر الهجري، عندما نهض بدعوته، وأحيا سنة نبيه، وأبطل ما علق بهذا الدين العظيم من شوائب ليست منه بل هي دخيلة عليه وعلى حنيفيته، وهي من عقائد الجاهلية الفاسدة التي لم يأل الرسول القائد جهدًا في القضاء عليها، ولكن الجهلة ومن كان في مصالحه حاجة إليها وفي نفسه حنين إلى تلك العادات والعقائد والتقاليد والانحرافات أعادوها جذعة مع الأيام فكانت أقوى من عزمات بعض المصلحين الذين تصدوا للقضاء عليها ففشلوا لأسباب موضوعية فتراكمت مع الأيام، إلى أن جاء هذا الإمام المجدد فقضى عليها من جديد، أو كاد.

بيئته:

لا يعرف قيمة دعوة الشيخ وأهميتها، إلا من عرف ما كانت عليه حال الأمة في عصره والعصور التي سبقته، فقد بلغ الانحطاط الفكري مداه في العالم الإسلامي بعد إغلاق أبواب الاجتهاد، وصار العلماء وطلاب العلم يعكفون على متون المتأخرين وحواشيهم، وانتشرت الضلالات، وشوهت العقيدة بما داخلها من تشوهات قاربت شركيات الجاهلية الأولى أو كادت في نجد وسواها من بلاد المسلمين .. وانتشرت الخرافات والبدع وظنوها من الدين.

كانت الحياة السياسة سيئة وفاسدة، والحروب بين الزعامات ناشبة، والبلاد مقسمة ممزقة، قسمتها الأهواء، ومزقتها الجاهليات المستحدثة، والعلماء أنصاف جهلة وأنصاف عجزة، لا يقوون على إنكار منكر، وقطاع الطرق يعبثون بأمن البلاد، ويعتدون على حرمات العباد، ويسطون على الحجيج، يسلبونهم أموالهم وطعامهم وشرابهم. كانت الخلافة العثمانية ضعيفة، دبت في أوصالها عوامل الضعف، وفقدت سيطرتها على أطرافها البعيدة، ولم تستطع أن تبسط سلطانها على شبه الجزيرة العربية التي تتبعها بالاسم فقط وأوربا لا تخفي أحقادها على العرب والمسلمين والخلافة، تسوقها روح صليبية لم تهدأ منذ غزوة مؤتة، مرورًا بالحملات الصليبية، وحتى الاستعمار الحديث ويوم الناس هذا، وقد تستمر إلى يوم الدين، وأوروبا تطمع في (الرجل المريض) واقتسام تركته، والمسلمون في حالة عجز تام. فوضى في السياسة، وفوضى اجتماعية، وفوضى وانحراف في العقائد والعبادات وكل ما يمت إلى هذا الدين العظيم بصلة.

نشأة الإمام:

في هذه البيئة المنذرة بألوان الكوارث والشرور، ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بيت علم وفضل ودين وقضاء في بلدة العيينة في نجد عام 1115هـ - 1703م - لأب قاض فقيه، وعالم كبير، من أسرة آل مشرف التي تنتهي بنسبها إلى بني تميم، وكذلك كانت أمه امرأة فاضلة ذات عقل ودين، ومن عشيرته الأقربين. وهكذا كانت ولادته، ونشأته في بيئة متدينة، تعنى بالعلم، وتخرج العلماء الذين يتوارثون العلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت