وفي المعنى، نحوَ قولِكَ: كُنْ أنتَ وزَيْدًا كالأخِ، فتَتَرَجَّحُ المفعوليَّةُ في ذلكَ أيضًا؛ لأنَّ العَطْفَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يكونَ زَيدًا مَأْمُورًا، وأنتَ لا تُريدُ أَمْرَهُ، وإنَّما تُريدُ أنْ تأمُرَ المخاطَبَ بأنْ يكونَ معهُ كالأخِ.
والثالثةُ: تَعَيُّنُ المفعوليَّةِ، وذلكَ إذا لمْ يُمْكِن العطْفُ أَصْلًا، نحوَ: استوى الماءُ والْخَشَبَةُ، فتَتَعَيَّنُ المفعوليَّةُ في ذلكَ؛ لأنَّ العَطْفَ يَستلزِمُ أنَّ الخشَبَةَ تَرتَفِعُ، وليسَ مُرادًا، وإنَّما الْمُرادُ أنَّ الماءَ ارْتَفَعَ حالَ كونِهِ مُصاحِبًا للخَشَبَةِ.
والرابعةُ: تَعَيُّنُ العَطْفِ، وذلكَ إذا لمْ تكُن المفعوليَّةُ، نحوَ: اشْتَرَكَ زيدٌ وعمرٌو، فيَتَعَيَّنُ العَطْفُ في ذلكَ؛ لأنَّهُ لمْ يُوجَدْ فيهِ شَرْطُ المفعوليَّةِ.
والخامسةُ: امتناعُ كِلَيْهِما، وذلكَ إذا لمْ يُمْكِن العَطْفُ ولا الْمَفعوليَّةُ، نحوَ قولِه: * عَلَفْتُها تِبْنًا وَمَاءً بَارِدَا *
وقولِهِ: إذا ما الغانياتُ بَرَزْنَ يومًا * وزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيُونَا
فيَمْتَنِعُ كلٌّ من العَطْفِ وكونِهِ مَفعولًا معهُ، ويَتَعَيَّنُ كونُهُ مَفعولًا لفِعْلٍ محذوفٍ، والتقديرُ في الأوَّلِ: وسَقَيْتُها ماءً بَاردًا، وفي الثاني: وكَحَّلْنَ العُيونَا.
* ولَمَّا أَنْهَى الكلامَ على مَنصوباتِ الأسماءِ شَرَعَ في الكلامِ على مَخْفُوضَاتِ الأسماءِ، فقالَ:
والإضافةُ في ذلكَ لبيانِ الواقِعِ؛ إذْ لا يُخْفَضُ إلَّا الأسماءُ. وقدْ تَكَلَّمَ عليها بواسطَةِ الكلامِ على خافِضِها؛ حيثُ قالَ: (خافِضُها ثلاثةٌ أنواعُ) بتنوينِ ثلاثةٍ، وجَعْلِ أنواعٍ بَدَلًا منها.
ولَمَّا كانَ تقسيمُ الأصْلِ المخفوضاتِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، إنَّما هوَ منْ حيثُ خافِضُها، قَسَّمَ الناظِمُ نفْسَ الخافِضِ، لكنَّ صنيعَ الأصْلِ أَنْسَبُ بالترجَمَةِ.
والأنواعُ الثلاثةُ هيَ: (الحرْفُ والمضافُ والاتِّبَاعُ) ، وقد اجَتَمَعَت الثلاثةُ في البَسمَلَةِ. وقدْ جرى الناظِمُ كالأصْلِ على رأْيِ الأخفَشِ والسهيليِّ منْ أنَّ التابِعَ المجرورَ مخفوضٌ بالتبعيَّةِ، وهوَ رأْيٌ مرجوحٌ، والراجِحُ أنَّهُ مخفوضٌ بما جُرَّ بهِ المتبوعُ، وقيلَ: إنَّهُ يُخْفَضُ بالْمُجاوَرَةِ نحوَ:"هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ"، فإنَّهُ رُوِيَ بِجَرِّ خَرِبٍ لِمُجاوَرَتِه للمجرورِ. وعلى الرفْعِ أكثرُ العرَبِ، وقيلَ أيضًا: إنَّهُ يُخفَضُ بالتوَهُّمِ نحوَ: ليسَ زيدٌ قائمًا ولا قاعِدٍ، بِجَرِّ قاعدٍ على تَوَهُّمِ الباءِ في قائمًا. والراجِحُ أنَّ الأوَّلَ على روايةِ الجَرِّ مرفوعٌ بضَمَّةٍ مقَدَّرَةٍ على آخِرِه مَنَعَ منْ ظُهورِها اشتغالُ الْمَحَلِّ بحركةِ الْمُجاوَرَةِ، وأنَّ الثانيَ منصوبٌ بفتحةٍ مُقَدَّرَةٍ على آخِرِه مَنَعَ منْ ظهورِها اشتغالُ الْمَحَلِّ بحركةِ التوَهُّمِ.
وبالجملةِ فالراجِحُ أنَّ الخافِضَ يَنْحَصِرُ في نوعينِ فقطْ؛ وهما الحرْفُ والْمُضافُ.
وقدْ بَيَّنَ الحرْفَ بقولِهِ: (أَمَّا الحروفُ) الكائنةُ (هَهُنَا) ، أَيْ: في هذا البابِ (فَـ) ـهيَ: