ولعلَّ الناظِمَ اعتذَرَ عن الأصلِ في عَدَمِ ذِكْرِهِ لذلكَ بقولِهِ: (وهْوَ الذي قدْ شَاعَا) ، أَي: اشْتُهِرَ؛ فلذلكَ تَرَكَهُ الأصلُ.
وإنْ كانَ مضارِعًا ضُمَّ أوَّلُهُ على الأصْلِ؛ ولذلكَ لمْ يُنَبِّهْ عليهِ الناظِمُ، فتقولُ: يُقالُ ويُباعُ، وأصْلُهُ: يُقْوَلُ ويُبْيَعُ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ العينِ إلى الساكِنِ قَبْلَها ثمَّ قُلِبَتْ ألِفًا؛ لتَحَرُّكِها بحسَبِ الأصْلِ وانفتاحِ ما قَبْلَها الآنَ، فصارَ: يُقالُ ويُباعُ.
* واعْلَمْ أنَّ نائبَ الفاعلِ قِسمانِ كما أشارَ إليه بقولِهِ: (وذاكَ) ، أَيْ: نائبُ الفاعلِ، (إمَّا مُضْمَرٌ) سواءٌ كانَ مُتَّصِلًا أوْ مُنْفَصِلًا، (أوْ مُظْهَرْ) بأقسامِه السابقةِ في بابِ الفاعلِ.
(ثانيهما) وهوَ الظاهِرُ، (كَـ) ـما في قولِكَ: (يُكْرَمُ الْمُبَشِّرْ) بكسْرِ الشينِ بصيغةِ اسمِ الفاعلِ. (أمَّا الضميرُ) مُتَّصِلًا كانَ أوْ مُنْفَصِلًا (فَهْوَ نحوَ) الضميرِ في (قولِنا * دُعِيتُ) ، فالتاءُ نائبُ الفاعلِ، وقولِنا (ادُّعِيَ) ، فالضميرُ الْمُستَتِرُ نائبُ الفاعلِ. وهذا في الْمُتَّصِلِ بارزًا كانَ أوْ مُستَتِرًا.
وأمَّا المنفصِلُ، فهوَ نحوَ الضميرِ في قولِنا: (مَا دُعِيَ إلَّا أنا) ، وهذا في الماضي، ومِثْلُهُ المضارِعُ. وبالْجُملةِ فجميعُ ما تَقَدَّمَ في بابِ الفاعلِ يأتي في بابِ النائبِ عن الفاعلِ.
* ولَمَّا فَرَغَ من الكلامِ على نائبِ الفاعلِ شَرَعَ في الكلامِ على الْمُبْتَدَأِ والخبَرِ، فقالَ:
وإنَّما جَمَعَهُما في بابٍ واحدٍ؛ لتَلازُمِهما غالبًا، وخَرَجَ بقولِنا: غالبًا، نحوَ: أقائمٌ الزيدانِ، وما مُضْرِبٌ العَمْرَانِ؛ لأنَّ المبتدأَ في ذلكَ لا خبَرَ لهُ، لكنْ لهُ مرفوعٌ سَدَّ مَسَدَّ الخبَرِ.
وقدْ عَرَّفَ الناظِمُ كُلًّا من المبتدأِ والخبَرِ مُبْتَدِئًا بالأوَّلِ، فقالَ:
(المُبْتدَا) هوَ (اسمٌ) صريحٌ، وهوَ ظاهِرٌ أوْ مُئَوَّلٌ، نحوَ: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ، وتَسْمَعُ بالْمُعَيْدِيِّ خيرٌ مِنْ أنْ تَراهُ. ومعلومٌ أنَّ الاسمَ جِنْسٌ يَشْمَلُ الْمُشْتَقَّ والجامِدَ، ويَشْمَلُ أيضًا العلْمَ المنقولَ كشَمَّرَ، والجملةَ التي أُريدَ لفظُها نحوَ قولِه صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: (( لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ ) )، ولا يَشْمَلُ الفعْلَ والحرفَ. فإنْ قيلَ: قدْ وَقَعَ الفعْلُ مُبتدَأً في قولِهم: ضَرَبَ فِعْلٌ ماضٍ، ووَقَعَ الحرفُ مُبْتَدَأً في قولِهم: منْ حرْفُ جَرٍّ، أُجيبَ بأنَّ ضَرَبَ ومِنْ في ذلكَ ونَحْوِهِ مِمَّا يُذكَرُ على أَلْسِنَةِ المُعْرِبينَ اسمانِ؛ لأنَّ المقصودَ لفظُهما، لكنَّ الحكْمَ عليهما بالفِعْلِيَّةِ والحرْفِيَّةِ بالنظَرِ لِمُسمَّاهما، وهوَ ضَرَبَ ومِنْ، في تركيبٍ آخَرَ، وإلَّا لكانَ كَذِبًا؛ فإنَّ الاسمَ لا يكونُ فِعْلًا ولا حَرْفًا.