* ولَمَّا تَكَلَّمَ الناظِمُ على حُكْمِ المضارِعِ في أوَّلِه منْ ضَمِّه وفَتْحِه، أَخَذَ يَتَكَلَّمُ على حُكْمِ المضارِعِ في آخِرِه، وعَقَدَ لذلكَ بابًا فقالَ:
مِنْ رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ أوْ جَزْمٍ. وقدْ بَيَّنَ ذلكَ بقولِهِ: (رَفْعُ) الفعْلِ (المضارِعِ الذي تَجَرَّدَا) بألِفِ الإشباعِ، أَيْ: عُرِّيَ، (عنْ نَاصِبٍ) من النواصِبِ التي سَيَذْكُرُها، (وَ) عنْ (جَازِمٍ) من الجوازمِ التي سيَذْكُرُها، (تَأَبَّدَا) بأَلِفِ الإشباعِ، أَيْ: ثَبُتَ أَبَدًا؛ ولذلكَ قالَ الأصلُ: وهوَ مرفوعٌ أَبَدًا حتَّى يَدْخُلَ عليهِ ناصِبٌ أوْ جازِمٌ.
(تَنبيهانِ) :
* (الأوَّلُ) : لا خِلافَ في رفْعِ المضارِعِ بالشرْطِ المذكورِ، وإنَّما الْخِلافُ في رافِعِهِ، فقيلَ: حُلولُه مَحَلَّ الاسمِ، والصحيحُ أنَّهُ التَّجَرُّدُ من الناصِبِ والجازِمِ كما جَرَى على أَلْسِنَةِ المُعْرِبِينَ.
* فإنْ قيلَ: التجَرُّدُ عَدَمِيٌّ، والرفْعُ وُجوديٌّ، والعَدَمِيُّ لا يَصِحُّ أنْ يكونَ مُؤَثِّرًا في الوُجوديِّ.
* أُجيبَ بِمَنْعِ أنَّ التجرُّدَ عَدَمِيٌّ؛ لأنَّ الْمُرادَ بهِ استعمالُ المضارِعِ على أوَّلِ أحوالِه، وذلكَ وُجودِيٌّ لا عَدَمِيٌّ. على أنَّ هذا السؤالَ إنَّما يَتَّجِهُ بِناءً على أنَّ عوامِلَ الإعرابِ مُؤثِّرَاتٌ لا عَلاماتٌ، كما صَرَّحَ بهِ الرَّضِيُّ، بخِلافِهِ على أنَّها عَلاماتٌ لا مُؤَثِّراتٌ.
(الثاني) : يُرَدُّ على إطلاقِ الناظِمِ كالأصْلِ ما إذا اتَّصَلَ بالفعْلِ المضارِعِ نونُ الإناثِ أوْ باشَرَتْهُ نونُ التوكيدِ؛ لأنَّهُ مَبْنِيٌّ معَ الأُولَى على السكونِ، ومعَ الثانيةِ على الفتْحِ، ولذلكَ قَيَّدَ بعضُ شُرَّاحِ الأصْلِ بالتجَرُّدِ عن النونينِ، لكنْ قالَ بعضُهم: لا حاجَةَ إلى التقييدِ بذلكَ؛ لأنَّ الفِعْلَ المضارِعَ إذا اتَّصَلَتْ بهِ نونُ الإناثِ أوْ باشَرَتْهُ نونُ التوكيدِ، وإنْ كانَ مَبْنِيًّا لفظًا لكنَّهُ مرفوعٌ مَحَلًّا، وَرَدَّ بأنَّنا لا نُسَلِّمُ ذلكَ، بلْ لا حَظَّ لهُ حينئذٍ في الإعرابِ أَصْلًا؛ لأنَّهُ إنَّما أُعْرِبَ لشَبَهِهِ بالاسمِ، وقدْ ضَعُفَ ذلكَ الشَّبَهُ بإحدى النونينِ؛ لأنَّها لا تَتَّصِلُ إلَّا بالفعْلِ، فرَجَعَ إلى أصلِه وهوَ البِناءُ، فالْحَقُّ أنَّهُ لا بُدَّ من التقييدِ المذكورِ.
ولمَّا ذَكَرَ حالةَ الرَّفْعِ أَخَذَ في ذِكْرِ حالةِ النصْبِ معَ بيانِ النواصبِ، فقالَ: (فانْصُبْ) الفِعْلَ المضارِعَ (بِـ) واحدٍ منْ (عَشْرٍ) على ما ذَهَبَ إليه الكُوفِيُّونَ منْ أنَّ كُلًّا من العَشْرِ التي سيَذْكُرُها الناظِمُ يَنْصُبُ المضارِعَ بنفسِه. والصحيحُ ما ذَهَبَ إليه البَصريُّونَ منْ أنَّ الذي يَنْصُبُ المضارِعَ بنفسِه: أن اتِّفَاقًا، ولنْ، وإِذَنْ، وكي الْمَصْدَرِيَّةُ على الصحيحِ، وأمَّا الباقي من العَشْرِ فلا يَنْصُبُ المضارِعَ بنفسِه، وإنَّما يَنْصُبُهُ أنْ مُضْمَرَةٌ بعدَهُ.
فتلَخَّصَ أنَّ هذهِ العشْرةَ ثلاثةُ أقسامٍ:
قِسمٌ يَنْصُبُ المضارِعَ بنفسِه اتِّفاقًا، وهوَ أنْ فقطْ.