فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 92

وقدْ لا يكونُ فاعلًا في المعنى، وهوَ ما أَفْعَلُ التفضيلِ بعضُهُ، نحوَ: أنتَ أفْضَلُ فقِيهٍ، وحكْمُهُ الجَرُّ بالإضافةِ كما مَثَّلَ، إلَّا إذا كانَ أفْعَلُ التفضيلِ مُضافًا إلى غيرِه فيُنْصَبُ، نحوَ: أنتَ أَكْرَمُ الناسِ رَجُلًا.

وقدْ لا يكونُ مُحَوَّلًا عنْ شيءٍ أَصْلًا، نحوَ: امْتَلَأَ الْحَوْضُ ماءً، وللَّهِ دَرُّهُ فَارِسًا، وأَكْرِمْ بهِ أَبًا.

(وَ) الثاني قدْ يكونُ وَاقِعًا بعدَ العَدَدِ الصريحِ، (كَـ) ما في قولِكَ: (اشتَرَيْتُ أرْبَعًا نِعَاجَا) .

أو الكِنَائِيِّ، كما في قولِكَ: كم عَبْدًا مَلَكْتَ؟

وقدْ يكونُ واقِعًا بعدَ الْمَقاديرِ، كما أشارَ إليه بقولِهِ: (أو اشْتَرَيْتُ ألفَ رطْلٍ سَاجَا) ، وهذا مِقدارٌ وَزْنِيٌّ، (أوْ بِعْتُهُ مَكِيلَةً أَرُزَّا) ، وهذا مِقدَارٌ كَيْلِيٌّ، (أوْ) بِعْتُهُ (قَدْرَ باعٍ أوْ) قَدْرَ (ذِراعٍ خَزَّا) وهذا مِقدارٌ مِسَاحِيٌ. وعُلِمَ منْ ذلكَ أنَّ العددَ ليسَ منْ جُملةِ الْمَقاديرِ، وهوَ قول الْمُحَقِّقِينَ؛ لأنَّهُ ليسَ الْمُرادُ بهِ الْمِقدارَ، وإنَّما الْمُرادُ بهِ الحقيقةُ، فإذا قُلْتَ: عندي عِشرونَ رَجُلًا، فالْمُرادُ عِندي نَفْسُ الرجالِ لا مِقدارُهم؛ ولذلكَ لا يَصِحُّ أنْ تقولَ: عِندِي مِقدارُ عشرينَ رَجُلًا، إلَّا على معنًى آخَرَ بخِلافِ الْمَقادِيرِ، فإذا قُلْتَ: عِندِي رَطْلٌ زيتٌ، فالْمُرادُ: عندِي مِقدارُ الرطْلِ لا حقيقتُهُ؛ ولذلكَ يَصِحُّ أنْ يقولَ: عندي مِقدارُ رَطْلٍ زيتٌ.

(وواجِبُ التمييزِ) عندَ البَصريِّينَ (أنْ يُنَكَّرَا) ، خِلافًا للكُوفِيِّينَ، ولا حُجَّةَ لهم في قولِهِ:

* وطِبْتَ النفْسَ يا قَيْسُ عنْ عمرٍو * لإمكانِ حَمْلِ ألْ على الزيادةِ. (وَ) واجبُهُ أيضًا (أنْ يكونَ) ، أَي: التمييزُ، (مُطْلَقًا) ، أَيْ: لا غالِبًا فقطْ كما في الحالِ، (مُؤَخَّرَا) عنْ صاحبِهِ، فلا يَجوزُ تقديمُهُ عليهِ.

* ولَمَّا فَرَغَ من الكلامِ على التمييزِ أَخَذَ في الكلامِ على الاستثناءِ فقالَ:

المُناسِبُ حَمْلُهُ على الْمُسْتَثْنَى؛ لأنَّ الكلامَ في المنصوباتِ. والْمُسْتَثْنَى: هوَ الاسمُ الواقِعُ بعدَ إلَّا أوْ إحدى أخواتِها. وعلى هذا ففي كلامِ الناظِمِ استخدامٌ؛ لأنَّهُ ذَكَرَ اللفظَ أوَّلًا بمعنًى ثمَّ أَعادَ عليهِ الضميرَ بمعنًى آخَرَ، فإنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يكونَ عائدًا للاستثناءِ بمعنى الْمُسْتَثْنَى، وإنَّما يَصِحُّ أنْ يكونَ عائدًا لهُ بمعنى الْمَصدرِ، لكنْ على تقديرِ مُضافٍ، والتقديرُ: (أَخْرِجْ بهِ) أداتِه (من الكلامِ) السابِقِ (ما) ، أَيْ: شيئًا، أو الشيءُ الذي، (خَرَجْ * منْ حُكْمِهِ) ، أَيْ: لمْ يَتَسَلَّطْ عليهِ الْحُكْمُ رأسًا، وإلَّا لَزِمَ التناقُضُ؛ لأنَّهُ يَصيرُ داخِلًا خارجًا، ففي الكلمةِ الْمُشَرَّفَةِ يَجِبُ على المتكلِّمِ بها أنْ يُلاحِظَ أنَّ الْحُكْمَ بنَفْيِ الألوهيَّةِ مُنْصَبٌّ على غيرِ المولى سبحانَهُ وتعالى، وإلَّا كَفَرَ والعِياذُ باللَّهِ تعالى. (وَ) هوَ وإنْ خَرَجَ منْ حُكْمِهِ لكنْ (كانَ في لَفْظِ) قد (انْدَرَجْ) ، ولوْ بِحَسَبِ ما يُفْهَمُ منهُ عُرْفًا، فشَمِلَ ذلكَ الاستثناءَ الْمُنقطِعَ. فإنَّكَ إذا قُلْتَ: جاءَ القومُ، فُهِمَ منْ ذلكَ عُرْفًا مَجِيءُ ما يَتَعَلَّقُ بهم كالحَميرِ، فإذا قُلْتَ: إلَّا حِمارًا، فقدْ أَخْرَجْتَ بهِ من الكلامِ السابقِ ما خَرَجَ منْ حُكْمِهِ، ولكنْ في اللفظِ قد انْدَرَجَ بحسَبِ ما يُفْهَمُ منهُ عُرْفًا.

(ولفظُ الاسْتِثْنَا) ، أَي: اللفظُ الْمُفيدُ للاستثناءِ، (الذي لهُ حَوَى) ، أَيْ: جَمَعَ، (إلَّا) ، وهيَ لا تكونُ إلَّا حَرْفًا، (وغَيْرٌ) بالرَّفْعِ، (وسِوَى) كرِضَا، و (سُوى) كهُدَى، و (سِوَا) بالقَصْرِ للضرورةِ، وإلَّا فهوَ بالْمَدِّ كسماءٍ وبِناءٍ. ولا يكونُ كلٌّ مِنْ غيرٍ وسِوَى بلُغَاتِها الأربَعِ إلَّا اسمًا، و (خَلَا) و (عَدَا) و (حَاشَا) ، وقدْ يُقالُ: حَشَا، كما سيأتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت