وكُلٌّ منْ هذهِ الثلاثةِ مُتَرَدِّدٌ بينَ الْحَرفيَّةِ والفِعْلِيَّةِ، (فمَعْ) بسكونِ العينِ للضرورةِ، أَيْ: معَ الاستثناءِ، (إلَّا انْصُبِ) وُجوبًا، (ما أَخْرَجَتْهُ) إلَّا (منْ) كلامٍ (ذي تَمَامٍ) ، بأنْ يُذْكَرَ فيهِ الْمُستَثْنَى منهُ، (مُوجَبِ) بفتْحِ الجيمِ، بأنْ لمْ يَسْبِقْهُ نفيٌ ولا شِبْهُهُ، وذلكَ (كَـ) قولِكَ: (قامَ كلُّ القومِ إلَّا واحدَا * وَ) كقولِكَ: (قدْ رأيتُ القومَ إلَّا خالدَا) ، وكقولِكَ: مَرَرْتُ بالقومِ إلَّا زَيْدًا، فالْمُسْتَثْنَى في الأحوالِ الثلاثةِ منصوبٌ بإلَّا على الاستثناءِ وُجوبًا، (وإنْ يكُنْ) ، أَيْ: ما أَخْرَجَتْهُ إلَّا (منْ) كلامٍ (ذي تَمامٍ) بأنْ يُذْكَرَ فيهِ الْمُستَثْنَى منهُ، لكنَّهُ غيرُ مُوجَبٍ بأن (انْتَفَى) ولوْ حُكْمًا، بأنْ تَقَدَّمَ عليهِ نفيٌ أوْ شِبْهُهُ، (فأَبْدِلَنْ) بنونِ التوكيدِ الخفيفةِ، الْمُستثنَى من المستثنَى منهُ، (والنصْبُ فيهِ ضُعِّفَا) ، فالأرجَحُ الإبدالُ، (هذا إذا) كانَ الاستثناءُ مُتَّصِلًا بأن (اسْتَثْنَيْتَهُ منْ جِنْسِهِ) ، فيَتَرَجَّحُ حينئذٍ الإبدالُ ويَضْعُفُ النصْبُ، (وما سِواهُ) ، وهوَ الاستثناءُ الْمُنقطِعُ، بأن اسْتَثْنَيْتَهُ منْ غيرِ جِنْسِهِ، فَـ (حُكْمُهُ بِعَكْسِهِ) ، فيَتَرَجَّحُ حينئذٍ النصْبُ ويَضْعُفُ الإبدالُ عندَ بني تَميمٍ. وأمَّا أهْلُ الْحِجازِ فيُوجِبُونَ النصْبَ، وبِلُغَتِهِمْ جاءَ التنزيلُ، قالَ تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} ، أَجْمَعَتِ السَّبْعَةُ على النَّصْبِ.
فالْمُتَّصِلُ (كَـ) قولِكَ: (لنْ يقومَ القومُ إلَّا جَعْفَرُ) بالرفْعِ على الإبدالِ، ويَجُوزُ إلَّا جَعْفَرًا بالنصْبِ على الاستثناءِ، لكنَّ الإبدالَ أَرْجَحُ. (والنصْبُ في) الْمُنقَطِعِ كقولِكَ: لنْ يَقومَ القومُ (إلَّا بَعيرًا) على الاستثناءِ، (أَكْثَرُ) من الرفْعِ على الإبدالِ عندَ بني تَميمٍ كما عَلِمْتَ. وهذا كلُّه إذا لمْ يَتَقَدَّم المستثنَى على المستثنَى منهُ، وإلَّا وَجَبَ النصْبُ، سواءٌ كانَ الاستثناءُ متَّصِلًا أوْ مُنقَطِعًا، فتقولُ: ما قامَ إلَّا زيدًا القومُ، وما فيها إلَّا حِمارًا أَحَدٌ. ولا يَجوزُ الإِتْبَاعُ؛ لأنَّ التابِعَ ما دامَ تابِعًا لا يَتَقَدَّمُ على الْمَتبوعِ.
(وإنْ يكُنْ) ، أَيْ: ما أَخْرَجَتْهُ إلَّا (من) كلامٍ (ناقصٍ) ، بأنْ لمْ يُذْكَرْ فيهِ المستثنَى منهُ، ويُسَمَّى الاستثناءُ حينئذٍ مُفَرَّغًا، (فإلَّا * قدْ أُلْغِيَتْ) لفْظًا، وإنْ كانَ لها تأثيرُ معنًى، (والعامِلُ) قد (اسْتَقَلَّا) بالعمَلِ في المستثنَى، وذلكَ (كَـ) قولِكَ: (لمْ يَقُمْ إلَّا أبوكَ أوَّلَا) بتشديدِ الواوِ، (وَ) كقولِكَ: (لا أَرَى إلَّا أخاكَ مُقْبِلَا) .
ولا يَقَعُ الاستثناءُ الْمُفَرَّغُ في الإيجابِ إلَّا إنْ أفادَ، كقولِكَ: صُمْتُ إلَّا يومَ الجُمُعَةِ.
ولَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ المستثنَى بإلَّا ذَكَرَ حُكْمَ المستثنَى بالبواقي؛ حيثُ قالَ: (وخَفْضُ مُستثنًى على الإطْلاقِ) ، أَيْ: منْ غيرِ تفصيلٍ، (يَجوزُ) ، أَيْ: لا يَمتنِعُ، (بعدَ السبعَةِ البواقِي) ، وإنَّما فَسَّرْنَا الْجَوازَ بعَدَمِ الامتناعِ ليَصْدُقَ بالوجوبِ، فإنَّ خَفْضَ الْمُستثنَى واجبٌ بعدَ غيرٍ وسوى بِلُغَاتِها؛ لأنَّهُ مُضافٌ إليهِ، ويُعْطَى غيرٌ وسوى بلغاتِها ما يُعطاهُ الاسمُ الواقِعُ بعدَ إلَّا منْ وُجوبِ النَّصْبِ بعدَ الكلامِ التامِّ الْمُوجَبِ نحوَ: قامَ القومُ غيرَ زيدٍ، بنصبِ غَيْرٍ، لكنْ على الحالِ، ومنْ رُجحانِ الْإِتْبَاعِ بعدَ الكلامِ التامِّ غيرِ الموجَبِ، إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ.
وأمَّا بعدَ خَلَا وعَدَا وحَاشَا، فالخَفْضُ جائزٌ على تقديرِ الحرفيَّةِ، والنصْبُ جائزٌ أيضًا على تقديرِ الفِعليَّةِ، تقولُ: قامَ القومُ خلا زيدٍ، بالجَرِّ، وخَلَا زيدًا، بالنصْبِ، وعدا زيدٍ، بالجَرِّ، وعدا زيدًا، بالنصْبِ، وحاشا زيدٍ، بالجَرِّ، وحاشا زيدًا، بالنصْبِ. وهذا كلُّهُ عندَ التجَرُّدِ عنْ ما. وأمَّا عندَ الاقترانِ بها فيَتَعَيَّنُ النصْبُ؛ لأنَّ الْمَصدريَّةَ لا يَلِيها حرفُ الجَرِّ؛ لأنَّها لا