وتعبيرُهُ بنائبِ الفاعلِ أَوْلَى مِنْ تعبيرِ الأصْلِ بالمفعولِ الذي لمْ يُسَمَّ فاعلُهُ؛ لأنَّهُ لا يَشْمَلُ دِرْهَمًا منْ نحوَ قولِكَ: أُعْطِيَ زيدٌ دِرْهَمًا، ولا يَشْمَلُ كُلًّا من الظرْفِ والجارِّ والمجرورِ والْمَصْدَرِ إذا أُنِيبَ عن الفاعِلِ. لكنْ أُجيبَ عن الأصْلِ بأنَّ الكلامَ في المرفوعاتِ، فلا يَرِدُ دِرْهَمًا منْ نحوَ قولِكَ: أُعْطِيَ زيدٌ دِرْهَمًا؛ لأنَّهُ مَنصوبٌ، وبأنَّهُ اقْتَصَرَ على المفعولِ؛ لأنَّهُ الأصْلُ في النيابةِ. وأُجيبَ أيضًا بأنَّ المفعولَ الذي لمْ يُسَمَّ فاعلُهُ صارَ عَلَمًا على النائبِ عن الفاعِلِ، وقدْ بَيَّنَ ذلكَ بقولِهِ: (أَقِمْ) أيُّها المتكلِّمُ (مُقامَ) بضَمِّ أوَّلِه؛ لأنَّهُ مِنْ أَقامَ. بخِلافِ ما لوْ كانَ مِنْ قَامَ فإنَّهُ يكونُ بفَتْحِ أوَّلِه، ومُقَامَ مُضافٌ و (الفاعِلِ) مُضافٌ إليهِ، وقدْ وَصَفَهُ بقولِهِ: (الذي حُذِفْ) لغَرَضٍ من الأغراضِ، كالخوفِ منهُ أوْ عليهِ والإبهامِ على السامِعِ ونحوَ ذلكَ، (مفعولَهُ) إنْ وَجَدْتَهُ، نحوَ: ضُرِبَ عَمْرٌو، ويُضْرَبُ عمرٌو، فتقيمُ مُقامَ الفاعِلِ الذي حُذِفَ مفعولَهُ (في كلِّ ما لهُ عُرِفْ) ، من الرفْعِ وغيرِه مِمَّا تَقَدَّمَ.
(أوْ مَصْدَرًا) ، نحوَ قولِه تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} .
(أوْ ظَرْفًا) زَمانيًّا أوْ مَكانيًا، فالأوَّلُ نحوَ: صِيمَ رَمَضَانُ، والثاني نحوَ: جُلِسَ أمامَ الأميرِ.
(أوْ) جَارًّا و (مَجرورَا) ، نحوَ: سِيرَ بزيدٍ. ومَحَلُّ جَوازِ إقامةِ كلٍّ منْ هذهِ الثلاثةِ (إنْ لمْ تَجِدْ مَفعولَهُ المذكورَا) ، وإلَّا فلا تَجوزُ إقامةُ كلٍّ منها على الصحيحِ، ثمَّ إنَّكَ إذا أَقَمْتَ مُقامَ الفاعلِ الذي حُذِفَ مفعولَهُ كأنْ قُلْتَ: ضُرِبَ عَمْرٌو ويُضْرَبُ عمرٌو، الْتَبَسَ الإسنادُ للمفعولِ بالإسنادِ للفاعلِ، وحينئذٍ فلا بدَّ منْ تغييرِ الفعْلِ المسنَدِ لأحدِهما تَمييزًا بينَهما، والأَوْلَى بالتغييرِ الفعلُ المسنَدُ للمفعولِ؛ لأنَّهُ الذي حَصَلَ بهِ اللَّبْسُ كما أشارَ إليهِ الناظِمُ بقولِهِ: (وأوَّلُ الفعْلِ) سواءٌ كانَ ماضِيًا أوْ مضارِعًا، بخِلافِ فعْلِ الأمْرِ؛ فإنَّهُ لا يَصِحُّ بِناؤُهُ للمفعولِ. واحْتَرَزَ بقولِ (الذي هنا) ، أَيْ: في بابِ نائبِ الفاعلِ عن الفعْلِ في بابِ الفاعِلِ؛ لِمَا عَلِمْتَ منْ أنَّ الأَوْلَى بالتغييرِ إنَّما هوَ الفعْلُ الْمُسْنَدُ للمفعولِ، وجملةُ قولِهِ: (يُضَمّ) خبَرٌ عن الأوَّلِ.
ثمَّ إنْ كانَ ماضيًا كُسِرَ ما قبلَ آخِرِهِ كما أشارَ إليه بقولِهِ: (وَكَسْرُ ما) ، أَيْ: حرفٍ، أو الحرْفِ الذي (قَبْلَ) الحرْفِ (الأخيرِ مُلْتَزَمْ) بفتْحِ الزَّايِ، أَي: الْتَزَمَتْهُ العربُ، (في كلِّ) فعْلٍ (ماضٍ) .
وإِنْ كانَ مُضارِعًا فُتِحَ ما قَبْلَ آخِرِهِ كما أشارَ إليه بقولِهِ: (وَهْوَ) ، أَيْ: ما قَبْلَ الحرْفِ الأخيرِ، (في) الفعْلِ (المضارِعِ * مُنْفَتِحٌ) .
وقدْ مَثَّلَ لكلٍّ من الماضي والمضارِعِ على اللَّفِّ والنشْرِ الْمُشَوَّشِ بقولِهِ: (كـ) كقولِكَ: (يُدَّعَى) بتشديدِ الدالِ، وأصْلُه يَدَّعِي زيدٌ كذا، فإذا بَنَيْتَهُ للمفعولِ تقولُ يُدَّعَى كذا، و (كَـ) كقولِكَ: (ادُّعِي) بتشديدِ الدالِ، وأصْلُه ادَّعَى زيدٌ كذا، فإذا بَنَيْتَهُ للمفعولِ تقولُ ادُّعِيَ كذا، وهذا كلُّهُ في صحيحِ العَيْنِ.
وأمَّا مُعْتَلُّ العَيْنِ، فإنْ كانَ مَاضِيًا كباعَ وقالَ كُسِرَ أوَّلُهُ كما أشارَ إليه بقولِهِ: (وأوَّلُ الفعْلِ الذي كَبَاعَا) مِنْ كلِّ فعْلٍ ماضٍ مُعْتَلِّ العينِ (مُنْكَسِرٌ) لفْظًا، وإنْ كانَ مُنْضَمًّا تقديرًا، فتقولُ: بِيعَ وقِيلَ، وأصْلُهُ: بُيِعَ وقُوِلَ، نُقِلَتْ حركةُ العينِ فيهما إلى ما قَبْلَها بعْدَ سَلْبِ حرَكَتِهِ، وقُلِبَت الواوُ في الثاني ياءً لسكونِها وانكسارِ ما قَبْلَها، ولمْ تُقْلَب الياءُ لعَدَمِ الْمُقْتَضَى، فصارَ بِيعَ وقِيلَ.