وقولُه: (رَفْعُهُ مُؤَبَّدْ) ، أَيْ: أَبَّدَهُ النحاةُ أَثْبَتُوهُ أَبَدًا، فَصْلٌ أَوَّلُ خَرَجَ بهِ الاسمُ المنصوبُ كخبَرِ كانَ واسمِ إنَّ والمجرورِ، وخَرَجَ بهِ أيضًا الاسمُ الذي لا إعرابَ لهُ كاسمِ الفعْلِ على الصحيحِ منْ أنَّهُ لا مَحَلَّ لهُ من الإعرابِ.
واخْتُلِفَ في الرافِعِ للمبتدأِ، والصحيحُ أنَّهُ الابتداءُ. واخْتُلِفَ أيضًا في الرافعِ للخبَرِ، والصحيحُ أنَّهُ المبتدأُ. قالَ ابنُ مالِكٍ:
ورَفَعُوا مُبْتَدَأً بالابْتِدَا * كذاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بالْمُبْتَدَا
وقيلَ: إنَّهُما تَرَافَعَا، فكلٌّ منهما رَفَعَ الآخَرَ. وقيلَ: إنَّ الابتداءَ رَفَعَهُما معًا. وقيلَ: إنَّ الابتداءَ رَفَعَ الْمُبتدأَ، وهما رَفَعَا الخبَرَ؛ فالأقوالُ أربعةٌ.
وقولُه: (عنْ كلِّ لفظٍ عامِلٍ) غيرِ زائدٍ وشِبْهِهِ (مُجَرَّدْ) ، فَصْلٌ ثانٍ خَرَجَ بهِ الفاعِلُ ونائبُ الفاعلِ واسمُ كانَ واسمُ إنَّ ومَن الفاعلُ نحوَ: زيدٌ، في جوابِ: مَنْ قامَ؟ لأنَّهُ وإنْ كانَ مُجَرَّدًا عنْ لفْظٍ عامِلٍ لفْظًا لمْ يكُنْ مُجَرَّدًا عنهُ تقديرًا؛ فإنَّ التقديرَ: قامَ زيدٌ. ولا يَخْفَى أنَّ الجارَّ والمجرورَ مُتَعَلِّقٌ بما بَعْدَهُ، وقُيِّدَ باللفظِ؛ لأنَّ المبتدأَ ليسَ مُجَرَّدًا عنْ غيرِ اللفظِ، فإنَّهُ مرفوعٌ بالابتداءِ على الصحيحِ كما عَلِمْتَ، وإنَّما قُلْتُ: غيرِ زائدٍ وشِبْهِهِ، فيَدْخُلُ المجرورُ بحرفٍ زائدٍ أوْ شَبيهِهِ بهِ، فالأوَّلُ كما في قولِكَ: بِحَسْبِكَ درهمٌ، ومنهُ قولُهم: ناهيكَ بزيدٍ، وقولُهم: كيفَ بِكَ إذا كانَ كذا؟ والثاني: كما في قولِه * لَعَلَّ أبي الْمِغْوارُ منكَ قَرِيبُ *.
ومنهُ مجرورُ رُبَّ، نحوَ قولِكَ: رُبَّ رَجُلٍ كريمٍ لَقِيتُهُ، ومعهُ أيضًا الواقعُ بعدَ لولا في نحوِ: لولايَ ولولاكَ ولولاهُ، على ما قالَه سِيبَوَيْهِ منْ أنَّ لولا جارَّةٌ للضميرِ مُخْتَصَّةٌ بهِ.
* فإنْ قيلَ: حيثُ كانَ لا بُدَّ من التقييدِ بغيرِ الزائدِ وشِبْهِهِ، فلِمَ تَرَكَهُ الناظِمُ كالأصلِ؟ أُجيبَ بأنَّ العامِلَ متى أُطْلِقَ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى ما ليسَ زائدًا ولا شَبِيهًا، وتعبيرُهُ بالعامِلِ بصيغةِ الإفرادِ أَوْلَى منْ تعبيرِ الأصْلِ بالعوامِلِ بصيغةِ الجمْعِ؛ لأنَّهُ لا يَخْرُجُ ما دَخَلَ عليهِ عامِلٌ أوْ عاملانِ، وإِنْ أُجيبَ عنهُ بأنَّ ألْ جِنْسِيَّةٌ.
* ولَمَّا فَرَغَ منْ تعريفِ المبتدأِ شَرَعَ في تعريفِ الخبَرِ، فقالَ:
(والخبَرُ) هوَ (اسمٌ) صريحٌ وهوَ ظاهِرٌ، أوْ مُئَوَّلٌ نحوَ: شأنُ زيدٍ أنْ يَفعلَ كذا. وإنَّما اقْتَصَرَ على الاسمِ؛ لأنَّهُ الأصْلُ في الأخبارِ، وإلَّا فالخبَرُ قدْ يكونُ جُملةً أوْ ظَرْفًا أوْ جَارًّا وَمَجرورًا كما سيأتي. ويُحْتَمَلُ أنَّ المرادَ بالاسمِ ما يَشْمَلُ الاسمَ حقيقةً وهوَ ظاهِرٌ، أوْ حُكْمًا، وهوَ الجملةُ والظرْفُ والجارُّ والمجرورُ.
وقولُه: (ذو ارتفاعٍ) ، فَصْلٌ أوَّلُ خَرَجَ بهِ الاسمُ المنصوبُ والمجرورُ، بلْ والاسمُ الذي لا إعرابَ لهُ أصْلًا كما تَقَدَّمَ نظيرُهُ. وقولُه: (أُسْنِدَا) بالبناءِ للمفعولِ، فصْلٌ ثانٍ خَرَجَ بهِ الْمُبتدأُ والفاعِلُ ونائبُ الفاعِلِ واسمُ كانَ وخبَرُ إنَّ.