فتعريفُ الخبَرِ: هوَ الاسمُ المرفوعُ الذي أُسْنِدَ حالَ كونِه (مُطابِقًا في لفْظِهِ) منْ حيثُ التذكيرُ وضِدُّهُ، ومنْ حيثُ الإفرادُ وضِدَّاهُ، (للمُبْتَدَا) ، فإنْ كانَ المبتدأُ مُفْرَدًا يكونُ الخبَرُ كذلكَ، (كقولِنا: زيدٌ عظيمُ الشانِ) ، أَيْ: عظيمُ القَدْرِ، (وَ) إنْ كانَ المبتدأُ مُثَنًّى يكونُ الخبَرُ كذلكَ، كَـ (قولِنا: الزيدانِ قائمانِ) . وإنْ كانَ الْمُبتدأُ جَمْعًا كانَ الخبَرُ كذلكَ، وأشارَ إليهِ بقولِهِ: (ومثلُهُ) قولُنا: (الزيدونَ قائِمُونَا) .
ثمَّ إنَّ الخبَرَ حقُّهُ التأخُّرُ عن المبتدأِ، وقدْ يكونُ مُتَقَدَّمًا عليهِ كما أشارَ إليه بقولِهِ: (ومنهُ) ، أَيْ: من المبتدأِ والخبَرِ (أيْضًا) ، أَيْ: كما منهُ ما تَقَدَّمَ، قولُنا: (قائمٌ أَخُونَا) ؛ فإنَّ أصْلَهُ أخُونا قائمٌ، فقُدِّمَ الخبَرُ على الْمُبتدأِ. ولا يَصِحُّ أنْ يكونَ قائمٌ مُبْتَدَأً وأخُونا فاعِلًا سَدَّ مَسَدَّ الخبَرِ؛ لأنَّ شَرْطَ ذلكَ أنْ يَعْتَمِدَ الوصْفُ على نفيٍ أو استفهامٍ، وما هنا ليسَ كذلكَ.
* ولَمَّا فَرَغَ منْ تعريفِ كلٍّ من المبتدأِ والخبَرِ شَرَعَ في أقسامِ كلٍّ منهما مُبْتَدِئًا بأقسامِ المبتدأِ، فقالَ:
(والمُبْتَدا) قِسمانِ، كما أشارَ إليه بقولِهِ: (اسمٌ ظاهِرٌ كما مَضَى) في الأمثلَةِ السابقةِ، (أوْ مُضْمَرٌ) منْفَصِلٌ أُخِذَا مِمَّا يأتي (كَـ) ـما في قولِنا: (أنتَ أهْلٌ للقَضَا) ، أَيْ: أنتَ أهْلٌ للحُكْمِ بينَ الناسِ. (ولا يَجوزُ الابْتِدَا بما اتَّصَلْ * من الضميرِ) الأوَّلِ نحوَ: لولايَ ولولاكَ ولولاهُ، بِناءً على أنَّ الضميرَ الْمُتَّصِلَ في ذلكَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بالابتداءِ، وقيلَ: إنَّهُ في مَحَلِّ جَرٍّ بِلَوْلا، (بلْ بكلِّ ما انْفَصَلْ) منهُ. وهوَ ثلاثةُ أقسامٍ:
قِسمٌ يَخْتَصُّ بالمتكلِّمِ: وهوَ (أنا) للمتكلِّمِ وَحْدَهُ، (ونحنُ) للمُتَكَلِّمِ ومعهُ غيرُهُ أو الْمُعَظِّمِ نفسَهُ.
وقِسمٌ يَخْتَصُّ بالمخاطَبِ: وهوَ (أنتَ) للمخاطَبِ المفرَدِ المذكَّرِ، و (أنتِ) للمخاطَبَةِ الْمُفْرَدَةِ المؤنَّثَةِ، و (أنتما) للمخاطَبِ الْمُثَنَّى مذَكَّرًا كانَ أوْ مُؤَنَّثًا، (وأنتُنَّ) لجمْعِ النِّسوةِ المخاطَباتِ، و (أنتمْ) لجمْعِ الذكورِ المخاطَبينَ.
(وَ) قِسمٌ يَخْتَصُّ بالغائبِ: وهوَ (هْوَ) للغائبِ المفرَدِ، (وهيَ) للغائِبَةِ الْمُفرَدَةِ، و (همْ) لجمْعِ الذكورِ الغائبينَ، و (هما) للغائِبِ الْمُثَنَّى مذَكَّرًا كانَ أوْ مؤَنَّثًا، (وهنَّ أيضًا) لجمْعِ النِّسوةِ الغائباتِ. فللمتكلِّمِ اثنانِ، وللمخاطَبِ خمسةٌ، وللغائبِ كذلكَ، (فالجميعُ اثنا عَشَرْ) ضميرًا، (وقدْ مَضَى منها) في قولِهِ: كأنتَ أهلٌ للقَضاءِ، (مثالٌ مُعْتَبَرْ) ، ولمْ يأتِ ببقيَّةِ الأمثلةِ لعِلْمِها بالْمُقايَسَةِ.
* ولَمَّا فَرَغَ منْ تقسيمِ المبتدأِ شَرَعَ في تقسيمِ الخبَرِ، فقالَ:
(ومُفْرَدًا) ، وهوَ هنا ما ليسَ جملةً، وهوَ قِسمانِ:
مُشْتَقٌّ وجامِدٌ. فالمشتَقُّ هوَ ما دَلَّ على مُتَّصِلٍ مَصوغًا منْ مَصْدَرٍ، والجامِدُ بخِلافِهِ. والأوَّلُ مُتَحَمِّلٌ لضميرِ المبتدأِ ما لمْ يَرْفَع الظاهِرَ نحوَ: زيدٌ قائمٌ أبوهُ. بخِلافِ الثاني، إلَّا إذا أُوِّلَ بالْمُشْتَقِّ نحوَ: زيدٌ أسَدٌ. وإنَّما كانَ الأوَّلُ مفْرَدًا؛ لأنَّ الوَصْفَ معَ مرفوعِه لا يكونُ جُملةً إلَّا إنْ أفادَ إفادةً يَحْسُنُ السكوتُ عليها نحوَ: أقائمٌ الزيدانِ (وغيرَهُ) ، وهوَ الجملةُ وشِبْهُهَا. ولا