ولم يُعَبِّرْ بهِ لمناسبةِ الصلاةِ, وَإِنَّمَا قَرَنَ بينَهُما لكراهةِ إفرادِ أحدِهِما عن الآخرِ عندَ المتأخِّرينَ، (على النبيِّ) بالتشديدِ، وَيَجُوزُ تَرْكُهُ مع الهمزِ، وهو فَعِيلٌ، إمَّا بمعنى فاعلٍ أو مفعولٍ، وَعَبَّرَ بهِ دونَ الرسولِ؛ لأنَّهُ أكثرُ وُرُودًا في القرآنِ، وبعضُهُم يَخْتَارُ التعبيرَ بالرسولِ دونَ النبيِّ؛ لأنَّ الرسالةَ أَفْضَلُ من النُّبُوَّةِ خِلَافًا للعزِّ بنِ عبدِ السلامِ. (أَفْصَحِ الخلائِقِ) أي: أَشَدِّهِم فصاحةً؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ ) ).
والفصاحةُ يُوصَفُ بها المُتَكَلِّمُ والكلامُ والكلمةُ، فَيُقَالُ: مُتَكَلِّمٌ فصيحٌ، وكلامٌ فصيحٌ، وكلمةٌ فصيحةٌ، بخلافِ البلاغةِ فَإِنهَّا يُوصَفُ بها المُتَكَلِّمُ والكلامُ دونَ الكلمةِ، فيقالُ: مُتَكَلِّمٌ بليغٌ وكلامٌ بليغٌ، ولا يُقَالُ: كلمةٌ بليغةٌ، ومعنى فصاحةِ المتكلمِ قُدْرَتُهُ على الإتيانِ بكلامٍ فصيحٍ، ومعنى فَصَاحَةِ كلٍّ مِن الكلامِ والكلمةِ خُلُوُّهُ من التنافُرِ والحَشْوِ والتعقيدِ، ومعنى بلاغةِ المُتَكَلِّمِ قُدْرَتُهُ على الإتيانِ بكلامٍ بليغٍ، ومعنى بلاغةِ الكلامِ مُطَابَقَتُهُ لِمُقْتَضَى الحالِ مع فصاحتِهِ، (محمدٍ) يَجُوزُ فيهِ أَوْجُهُ الإعرابِ الثلاثةُ, لَكِنَّ الرسمَ لا يُسَاعِدُ النصبَ إلَّا على طريقةِ مَن يَرْسِمُ المنصوبَ بصورةِ المرفوعِ والمجرورِ، وَأَوْلَى الثلاثةِ الجرُّ بَدَلًا أو عَطْفُ بيانٍ, لا نَعْتًا؛ لأنَّهُ عَلَمٌ، والعَلَمُ لا يُنْعَتُ بهِ، نعمْ يَصِحُّ أنْ يكونَ نَعْتًا بالنظرِ لأصلِهِ؛ لأنَّهُ في الأصلِ اسمُ مفعولِ الفعلِ المُضَعَّفِ، وهو حَمَّدَ بتشديدِ الميمِ، وَمَحَلُّ قَوْلِهِم: العَلَمُ لا يُنْعَتُ بهِ إذا كانَ جامدًا أو مُشْتَقًّا، ولم يُنْظَرْ لأصلِهِ، (و) على (الآلِ) هو اسمُ جمعٍ لا وَاحِدَ لهُ من لفظِهِ، وأصلُهُ (أَوَلَ) كَجَمَلٍ بِدَلِيلِ تَصْغِيرِهِ على أُوَيْل (وَ) على (الأصحابِ) هو جَمْعٌ لِصَحِبٍ بكسرِ الحاءِ مُخَفَّفِ صَحْبٍ بِسُكُونِهَا أو مُخَفَّفِ صَاحِبٍ بِحَذْفِ الألفِ، وليس جَمْعًا لِصَحْبٍ بسكونِ الحاءِ؛ لأنَّهُ لم يَطَّرِدْ جَمْعُ فَعْلٍ بسكونِ العينِ على أفعالٍ إِلَّا إذا كانَ مُعْتَلَّ العينِ كثوبٍ وأثوابٍ وبابٍ وأبوابٍ، ولا لصاحبٍ بالألفِ؛ لأنَّهُ لم يَطَّرِدْ جمعُ فاعلٍ بالألفِ على أفعالٍ، وقد أَبْدَلَ الناظمُ من الآلِ والأصحابِ قولَهُ (مَن) أي الَّذِينَ (أَتْقَنُوا) أي: أَحْكَمُوا (القُرْآنَ) من القُرْءِ وهو الجمعُ، ومعناهُ الكلامُ المُنَزَّلُ على سَيِّدِنَا محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُتَعَبَّدُ بتلاوتِهِ المُتَحَدِّي بأقصرِ سورةٍ منهُ (بـ) سببِ (الإعرابِ) إذ لَوْلَا الإعرابُ لم يُعْلَم المرادُ، ولذا حُكِيَ أنَّ سببَ وَضْعِ النحوِ أنَّ أَعْرَابِيًّا قَدِمَ في زمنِ عُمَرَ،
فقالَ: من يُقْرِئُنِي مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ على محمدٍ، فأقرأه رجلٌ بَرَاءَةً، فقالَ: (إِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ) بالجرِّ،
فقالَ الأعرابيُّ: أَوَقَدْ بَرِئَ من رسولِهِ, إنْ يَكُن اللهُ بَرِئَ من رسولِهِ فَأَنَا أَبْرَأُ منه، فَبَلَغَ عُمَرَ مَقَالُ الأعرابيِّ فَدَعَاهُ، وقالَ: يا أَعْرَابِيُّ، أَتَبْرَأُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! فَقَصَّ عليهِ القِصَّةَ،
فقالَ عمرُ: ليس هكذا يا أَعْرَابِيُّ،
فقالَ: كَيْفَ هيَ يا أميرَ المؤمنينَ؟ فقالَ: {إِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} بالرفعِ، فقالَ الأعرابيُّ: وَأَنَا وَاللَّهِ أَبْرَأُ مِمَّا بَرِئَ اللهُ ورسولُهُ منهُ، فَأَمَرَ عمرُ أنْ لا يُقْرِئَ القرآنَ إلَّا عالمٌ باللُّغَةِ، وَأَمَرَ أبا الأسودِ الدُّؤَلِيَّ بِوَضْعِ النحوِ، ولا يَخْفَى ما في ذكرِ النحوِ وضميرِ الشأْنِ والإعرابِ من براعةِ الاستهلالِ، وهيَ أنْ يَأْتِيَ المُتَكَلِّمُ في طالعةِ كلامِهِ بما يُشْعِرُ بمقصودِهِ.
(وبعدُ) البناءُ على الضمِّ لحذفِ المضافِ إليهِ ونِيَّةِ معناهُ؛ فإنَّ الأصلَ وبعدَمَا تَقَدَّمَ، والمرادُ بمعناهُ النسبةُ التقييديَّةُ التي بينَ المضافِ والمضافِ إليهِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ معناهُ مع أنَّهَا بينَهُمَا؛ لأنَّهَا لا تَتَحَقَّقُ إلَّا بهِ، وليس المرادُ بمعناهُ مَدْلُولَهُ كما وَهِمَ فيهِ بعضُهُم، وَيَصِحُّ قراءتُهُ بالنصبِ بِنَاءً على أنَّهُ حَذَفَ المضافَ إليهِ ونَوَى لفظَهُ، لكنَّ الأَوَّلَ هو المشهورُ على الألسنةِ، والواوُ إِمَّا أنْ تكونَ لعطفِ ما بعدَهَا على ما قبلَهَا عَطْفَ قِصَّةٍ على قصَّةٍ، وإمَّا أنْ تكونَ نائِبَةً عن أَمَّا، وهي نائبةٌ عن مَهْمَا، فالواوُ على هذا نائبةُ النائبِ، وبعدُ نقيضُ قبلُ، وتكونُ ظرفَ زمانٍ كثيرًا ومكانٍ قليلًا، وهي هَهُنَا صالحةٌ للزمانِ باعتبارِ اللفظِ وللمكانِ باعتبارِ الرقْمِ، والعاملُ فيها على أنَّ الواوَ عاطفةُ محذوفٍ، تقديرُهُ أقولُ أو نحوَهُ، وعلى أَنَّهَا نائبةٌ عن أَمَّا النائبةِ عن