مَهْمَا, أمَّا فِعْلُ الشرطِ فتكونُ من متعلِّقاتِ الشرطِ, وأَمَّا جوابُ الشرطِ, فتكونُ من متعلقاتِ الجزاءِ، (فإنْ قُلْتَ أَيُّهُمَا أَوْلَى) قلتُ: الثاني؛ لأنَّهُ صريحٌ في المقصودِ، وَيُسْتَحَبُّ الإتيانُ بها في أَوَّلِ الكُتُبِ؛ لأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يَأْتِي بها في كُتُبِهِ ومُرَاسَلَاتِهِ، وَصَحَّ أَنَّهُ خَطَبَ فقالَ: أَمَّا بعدُ، والتحقيقُ أَنَّهَا فصلُ الخطابِ، فهيَ المرادةُ بهِ في قولِهِ تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} .
قيلَ: المرادُ بهِ الفرقُ بينَ الحقِّ والباطلِ، (فاعْلَمْ) بزيادةِ الفاءِ على جعلِ الواوِ عاطفةً لِتَوَهُّمِ أمَّا فيكونُ قد نَزَّلَ المُتَوَهَّمُ منزلةَ المُحَقَّقِ, وأَمَّا على جَعْلِهَا نائبةً عن أَمَّا النائبةِ عَنْ مَهْمَا فالفاءُ للربطِ (أَنَّهُ) أي: الحالَ والشانَ (لَمَّا) سَيَأْتِي جَوَابُهَا بعدَ ستةِ أبياتٍ في قولِهِ، وَنَظَمْتُهَا إلخ (اقْتَصَرَ) من الاقتصارِ (جُلُّ الْوَرَى) بضمِّ الجيمِ، أي: معظمُ الخَلْقِ، (على الكلامِ المختصرِ) دونَ الكلامِ المُطَوَّلِ لقصورِهِم، والمُخْتَصَرُ هو ما قَلَّ لَفْظُهُ وإنْ لم يَكْثُرْ معناهُ خِلَافًا لمن اشْتَرَطَ ذلكَ، (وكان) معطوفٌ على مدخولِ لَمَّا، (مَطْلُوبًا) بالنصبِ على أنَّهُ خبرٌ مُقَدَّمٌ لكانَ، وقولُهُ: (أَشَدَّ الطلبِ) صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والتقديرُ: طَلَبًا أَشَدَّ الطلبِ، (مِن الوَرَى) أي: من الخلقِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ مطلوبًا، (حِفْظُ) بالرفعِ على أنَّهُ اسمٌ مُؤَخَّرٌ لكانَ، وحفظُ: مضافٌ و (اللسانِ) مضافٌ إليهِ، والمرادُ باللسانِ اللغةُ مَجَازًا؛ لأنَّ اللسانَ اسمٌ للجارحةِ المخصوصةِ, وهيَ آلةٌ للكلامِ، (العَرَبِيِّ) أي: المنسوبِ للعربِ وهو صفةٌ للسانِ، وإِنَّمَا طُلِبَ منهم ذلكَ أَشَدَّ الطلبِ لِـ (كَيْ يَفْهَمُوا) فكَيْ مَصْدَرِيَّةٌ بتقديرِ اللامِ قبلَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تعليليَّةٌ فلا تُقَدَّرُ اللامُ قَبْلَهَا، وعلى الأَوَّلِ فالفعلُ منصوبٌ بِكَيْ نَفْسِهَا، وعلى الثاني فهو مَنْصُوبٌ بأنْ مُضْمَرَةٍ بعدَهَا، والتقديرُ كَيْ أنْ يَفْهَمُوا (معانيَ القرآنِ و) معانيَ (السُّنَّةِ الدقيقةِ للمَعَانِي) أي: خَفِيَّةِ المعانِي، وَيُقَالُ: دَقَّ الشيءُ إذا خَفِيَ والمعانِي جَمْعُ مَعْنًى، وهو اسمُ مفعولٍ من عَنَى يَعْنِي إذا قَصَدَ، ويُقَالُ لهُ: مفهومٌ ومدلولٌ: (والنحوُ) أي: والحالُ أنَّ النحوَ (أَوْلَى) أيْ: أَحَقُّ (أَوَّلًا) منصوبٌ على أنَّهُ ظرفٌ مُقَدَّمٌ لقولِهِ (أنْ يُعْلَمَا) بألفِ الإشباعِ، فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ على غَيْرِهِ من العلومِ (إذ الكلامُ) حالَ كَوْنِهِ (دُونَهُ) أي: دونَ النحوِ (لَنْ يُفْهَمَا) بألفِ الإشباعِ، أي: لن يُفْهَمْ معناهُ، ولهذا اتَّفَقَ العلماءُ على أنَّ علمَ النحوِ وسيلةٌ لسائرِ العلومِ, لاسِيَّمَا علمُ التفسيرِ والحديثِ، فإنَّهُ لا يَجُوزُ لأحدٍ أنْ يَتَكَلَّمَ في كلامِ اللهِ ورسولِهِ حتى يكونَ مَلِيًّا بالعربيةِ فقدْ قالَ الأصمعيُّ: إِنَّ أخوفَ ما أَخَافُ على طالبِ العلمِ إذا لم يَعْرِف النحوَ أنْ يَدْخُلَ في قولِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) )؛ لِأَنَّهُ لم يَكُنْ يَلْحَنُ فيما رُوِيَ عنهُ، فإذا لَحَنَ فيهِ فقدْ كَذَبَ عليهِ، (وكان) معطوفٌ على ما تَقَدَّمَ (خيرُ) بالرفعِ على أنَّهُ اسمٌ لكانَ (كُتْبِهِ) بسكونِ والتاءِ, أي: كُتُبِ النحوِ (الصغيرةِ) أي: صَغِيرَةِ الحجمِ (كُرَّاسَةً) بالنصبِ على أَنَّهُ خبرٌ لكانَ، والكُرَّاسَةُ واحدةُ الكَرارِيسِ، وهوَ أجزاءُ الصحيفةِ، وقولُهُ: (لطيفةً) صفةُ لكُرَّاسَةٍ، وكذا قولُهُ: (شهيرةً) أي: مشهورةً فَهِيَ فَعِيلَةٌ بمعنى مَفْعُولَةٍ، والمرادُ بِكَوْنِهَا لطيفةً أنَّهَا صغيرةُ الحجمِ؛ لأنَّ الَّلطافةَ رِقَّةُ القَوامِ (في عُرْبِهَا) بضمِّ أَوَّلِهِ وسكونِ ثانِيهِ، (و) في (عُجْمِهَا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وسُكُونِ ثانِيهِ، (و) فِي (الرُّومِ) ، الجارُّ والمجرورُ في ذلكَ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (شَهِيرَةً) (أَلَّفَهَا) أي: جَمَعَهَا على وجهِ الأُلْفَةِ بِضَمِّ الهمزةِ (الحَبْرُ) بِفَتْحِ الحاءِ، أي: العالِمُ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا, ويكونُ المعنَى على التشبيهِ، أي: الذي هو كالحِبْرِ وهو المِدادُ, في الانتفاعِ بهِ، (ابنُ آجُرُّومَ) بهمزةٍ مفتوحةٍ بعدَهَا ألِفٌ فَجِيمٌ مضمومةٌ، ثم راءٌ مُشَدَّدَةٌ فواوٌ فميمٌ، ومعناهُ بلسانِ البَرْبَرِ: الفَقِيرُ الصُّوفِيُّ، وهوَ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ محمدِ بنِ داوُودَ الصِّنْهَاجِيُّ نسبةً لصِنْهَاجَةَ، وهي قبيلةٌ بالمغربِ، (و) قد (انْتَفَعَتْ أَجُلَّةٌ) جمعُ جَليلٍ كعَظِيمٍ وَزْنًا ومعنًى (بِعِلْمِهَا) أي: بالعلمِ الذي فيها (معْ)