* (الحمدُ للهِ) أي: مُخْتَصٌّ أو مُسْتَحِقٌّ أو مَمْلُوكٌ، فاللامُ للاختصاصِ أو للاستحقاقِ أو المِلْكِ، وعلى كلٍّ فألْ إِمَّا للجنسِ أو للاستغراقِ أو للعهدِ، فالاحتمالاتُ تسعةٌ قائمةٌ من ضربِ ثلاثةٍ في ثلاثةٍ، لكنَّ الأَوْلَى جَعْلُ اللامِ للاختصاصِ وألْ للجنسِ وإنَّمَا عُدِلَ عن الجملةِ الفعليَّةِ إلى الجملةِ الاسميَّةِ؛ لأنَّهَا تَدُلُّ على الدوامِ والاستمرارِ.
ووجهُ العدولِ أنَّ الأصلَ حَمْدُ اللهِ، أي: حَمِدْتُ حَمْدَ اللهِ فَأُدْخِلَتْ ألْ على المصدرِ، ورُفِعَ، فصارَ الحمدُ للهِ.
(الذي قَدْ وَفَّقَا) بألفِ الإشباعِ، وقدْ هُنَا للتحقيقِ ويُحْتَمَلُ أَنَّهَا للتقليلِ لِمَا اشْتُهِرَ من أنَّ التوفيقَ عزيزٌ، والتوفيقُ خَلْقُ قدرةِ الطاعةِ في العبدِ وتَسْهِيلُ سبيلِ الخيرِ إليهِ، ومن القواعدِ المُقَرَّرَةِ أنَّ الموصولَ وصلتَهُ في قُوَّةِ المُشْتَقِّ فكأنَّهُ قالَ: المُوَفِّقُ (للعلمِ) الشرعيِّ كَعِلْمِ التفسيرِ والحديثِ ونحوِهِمَا، (خيرَ) بالنصبِ على المفعولِيَّةِ، وهو أفعلُ تفضيلٍ، فَأَصْلُهُ أَخْيَرُ حُذِفَتْ منهُ الهمزةُ للتخفيفِ, ونُقِلَتْ حركةُ الياءِ للساكنِ قبلَهَا فصارَ خيرَ (خَلْقِهِ) أي: مَخْلُوقِهِ، فالمصدرُ بِمَعْنَى اسمِ المفعولِ مَجَازًا بِحَسَبِ الأصلِ، لكن صارَ حقيقةً عُرْفِيَّةً ولا يَخْفَى أنَّ قولَهُ (خيرَ خَلْقِهِ) فاصلٌ بينَ المتعاطِفَيْنِ، أَعْنِي قولَهُ للعلمِ، (وللتُّقَى) اسمٌ من التَّقْوَى، وهي امتثالُ المأموراتِ واجْتِنَابُ المَنْهِيَّاتِ، ثم فَرَّعَ على ذلكَ ما ذَكَرَهُ بقولِهِ (حتَّى نَحَتْ) أي قَصَدَتْ (قُلُوبُهُم) أي قُلُوبُ خَلْقِهِ، والقلوبُ جمعُ قَلْبٍ، وهو لحمٌ صُنُوبَرِيُّ الشكلِ، وَسُمِّيَ قلبًا لِتَقَلُّبِهِ، (لِنَحْوِهِ) أي: لِجِهَتِهِ، فمن معانِي النحوِ الجِهَةُ، وقد نَظَمَهَا بَعْضُهُم في بيتٍ فقالَ:
قَصْدٌ ومِثْلَ جِهَةٍ مِقْدَارُ ... * ... قَسَمٌ وبعضٌ قاله الأخيارُ
والضميرُ للهِ تعالى، وكذلكَ الضميرُ في قولِهِ: (فمِنْ عظيمِ شأنِهِ) ، والإضافةُ في ذلكَ من إضافةِ الصفةِ للموصوفِ، والأصلُ: فمِن شأنِهِ العظيمِ (لم تَحْوِهِ)
أي: لم تُحِطْ بهِ، وفي ذلكَ تقديمُ العلَّةِ على المعلولِ، وعُلِمَ من ذلكَ أنَّ مِن هنا للتعليلِ (فَـ) بسببِ تَوْفِيقِهِم للعلمِ وللتُّقَى (أُشْرِبَتْ) بالبناءِ للمفعولِ الذي هو ضميرُ القلوبِ، أي: أُدْخِلَ فيها وتَدَاخَلَهَا حُبُّ (معنى ضميرِ الشأْنِ) كما يَتَدَاخَلُ الثوبَ الصِّبْغُ وَكَمَا يَمْتَزِجُ اللونُ باللونِ، يُقَالُ: بياضٌ مُشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ إذا امْتَزَجَ البياضُ بها واختلطَ، وضميرُ الشانِ هو المذكورُ في قولِهِ تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} فإنَّ الضميرَ في ذلكَ ضميرُ الشأْنِ، معناهُ كلمةُ التوحيدِ (فَـ) بسببِ ذلكَ الإشرابِ (أَعْرَبْتُ) أي: بَيَّنْتُ ضَمِيرَهَا (في الحانِ) أي الحانةِ وهي حانوتُ الخَمَّارِ، (بالألحانِ) وهيَ نَغَماتُ الأوتارِ، والمرادُ بالحانةِ هنا مقامُ المَحَبَّةِ أو حضرةُ الرَّبِّ التي يُسْقَى مَن دَخَلَهَا من الرحيقِ المختومِ، فَيُدْرِكُ كلَّ سِرٍّ في الكونِ مكتومٍ، وقد عَطَفَ الناظمُ على جملةِ الحمدلةِ جملةَ الصلاةِ والسلامِ بِثُمَّ المفيدةِ للترتيبِ والتراخِي؛ إشارةً إلى أنَّ رُتْبَةَ ما يَتَعَلَّقُ بالمخلوقِ مُتَرَاخِيَةٌ عن رُتْبَةِ ما يَتَعَلَّقُ بالخالقِ، فقالَ: (ثم الصلاةُ) أي: الرحمةُ المقرونةُ بالتعظيمِ (مع سلامٍ)
أي: تَحِيَّةٍ وإعظامٍ (لائقٍ) بِجَنَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ لِأَنَّ ما يُعْطِيهِ اللهُ لنبيِّهِ يَزِيدُ على جميعِ ما يُعْطِيهِ لأهلِ عِنَايَتِهِ، والصلاةُ اسمُ مصدرٍ لِصَلَّى، والمصدرُ التَّصْلِيةُ، ولم يُعَبِّرْ بها لِإِيهَامِهَا العذابَ، والسلامُ اسمُ مصدرٍ لِسَلَّمَ، والمَصْدَرُ التسليمُ،