الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ. فلها حالتانِ بعدَ لامِ كَيْ، وأمَّا بعدَ غيرِ لامِ كَيْ مِمَّا سيأتي فهيَ واجبةُ الإضمارِ، فتَحَصَّلَ أنَّ لها ثلاثةَ أحوالٍ:
جوازُ الإضمارِ والإظهارِ، وذلكَ بعدَ لامِ كيْ إذا لمْ تَقْتَرِنْ بلا.
ووجوبُ الإظهارِ، وذلكَ بعدَ لامِ كَيْ إذا اقْتَرَنَتْ بلا.
ووجوبُ الإضمارِ، وذلكَ بعدَ غيرِ لامِ كَيْ ممَّا سيأتي.
(ولامُ جَحْدٍ) : وهيَ اللامُ المسبوقةُ بكانَ الْمَنْفِيَّةِ بما، نحوَ قولِه تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} ، أوْ يكُن المنفيِّ بِلَمْ نحوَ قولِه تعالى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} ، والمرادُ بالْجَحْدِ هنا كالجحودِ مُطْلَقُ النفيِ، وإنْ كانَ كلٌّ منهما في الأصْلِ موضوعًا لنَفْيِ ما عُلِمَ، قالَ تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} . وظاهِرُ كلامِ الناظِمِ أنَّ هذهِ اللامَ ناصبةٌ بنفسِها كما هوَ مَذْهَبُ الكوفيِّينَ، والْحَقُّ أنَّ الناصِبَ أنْ مُضْمَرَةٌ وُجوبًا بعدَها كما هوَ مَذْهَبُ البَصريِّينَ.
(تنبيهٌ) : اخْتُلِفَ في خَبَرِ كانَ أوْ يكُنْ، فذَهَبَ البَصريِّونَ إلى أنَّهُ محذوفٌ، وهذهِ اللامُ جارَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بذلكَ الخبَرِ المحذوفِ، وذَهَبَ الكُوفِيِّونَ إلى أنَّهُ بالفعْلِ الواقِعِ بعدَ اللامِ، وهذهِ اللامُ زائدةٌ لتوكيدِ النفيِ، وجَرَى عليهِ ابنُ مالِكٍ في مَتْنِ التسهيلِ، وصَرَّحَ بهِ ولدُهُ، لكنَّ الذي في شَرْحِ التسهيلِ مُوافَقَةُ البَصريِّينَ.
(وكذا حتَّى) الْجَارَّةُ: وإنَّما لمْ يُقَيِّدْ بها الناظِمُ كالأصْلِ؛ لأنَّها المرادةُ حيثُ أُطْلِقَتْ في هذا البابِ. وخَرَجَ بها العاطِفَةُ، وهيَ التي تَعْطِفُ بَعْضًا على كلٍّ نحوَ: ماتَ الناسُ حتَّى الأنبياءُ، وجاءَ الحُجَّاجُ حتَّى الْمُشاةِ، والابتدائيَّةُ، وهيَ التي تُبْتَدَأُ بعدَها الْجُمَلُ، نحوَ قولِه:
فما زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِماءَها * بدِجْلَةَ حتَّى ماءُ دِجْلَةَ أَشْكَلَ
وظاهِرُ كلامِ الناظِمِ أنَّها ناصِبَةٌ بنفسِها كما هوَ مَذهَبُ الكُوفِيِّينَ، والحَقُّ أنَّ الناصِبَ أنْ مُضْمَرَةٌ وُجوبًا بعدَها كما هوَ مَذهَبُ البَصريِّينَ. وعلى كلٍّ فشَرْطُ النصْبِ أنْ يكونَ الفعْلُ مُستقبَلًا، فإنْ كانَ حالًا رُفِعَ، كقولِكَ: سِرْتُ حتَّى أَدْخُلُ البَلَدَ، في حالةِ دُخولِها.
(تنبيهٌ) : معنى حتَّى غالبًا للغايةِ، فيكونُ ما بعدَها غايةً لِمَا قَبْلَها، وعَلَامَةُ ذلكَ أنْ يَصِحَّ في موضعِها: إلى، كما في قولِه تعالى حكايةً عنْ قومِ موسى: {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} . وقدْ تكونُ للتعليلِ، فيكونُ ما قَبْلَها عِلَّةً لِمَا بعدَها، وعَلَامَةُ ذلكَ أنْ يَصْلُحَ في موضعِها كي التعليليَّةُ، كما في قولِكَ: أَسْلِمْ حتَّى تَدْخُلَ الجنَّةَ.
(وأوْ) : التي بمعنى إلى، وهيَ التي يَنْقَضِي ما قَبْلَها شيئًا فَشَيئًا، كما في قولِكَ: لأَلْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي. والتي بمعنى إلَّا، وهيَ التي يَنْقَضِي ما قَبْلَها دُفْعَةً واحدةً، كما في قولِكَ: لَأَقْتُلَنَّ الكافِرَ أوْ يُسْلِمَ. والتي بمعنى التعليلِ، وهيَ التي يكونُ ما قَبْلَها عِلَةًّ فيما بعدَها، كما في قولِكَ: لَأُطِيعَنَّ اللَّهَ أوْ يَغْفِرَ لي. بخِلافِ التي للعَطْفِ.