وقولُه: (صارَ يَتَّصِفْ) ، يَتَعَلَّقُ بهِ الجارُّ والمجرورُ قبلَه، والأصْلُ: مِمَّا صارَ يَتَّصِفُ بوَصْفِ الفعْلِ. ولَمَّا اتَّصَفَ الاسمُ بوصْفِ الفعْلِ مُنِعَ منهُ ما مُنِعَ من الفعْلِ، وهوَ الكسْرُ معَ التنوينِ. واتِّصافُه بوَصْفِ الفعْلِ (بأنْ يَحُوزَ) ، بالحاءِ الْمُهْمَلَةِ والزايِ الْمُعْجَمَةِ من الْحِيازةِ وهيَ الجمْعُ، (الاسمُ) ، سواءٌ كانَ مُفْرَدًا أوْ جَمْعًا، ظاهِرَ الإعرابِ أوْ مُقَدَّرَهُ، (عِلَّتَيْنِ) فَرْعِيَّتَيْنِ تَرْجِعُ إحداهُما إلى اللفظِ، والأخرى إلى الْمَعنى، بخِلافِ ما لوْ كانَ كلٌّ منهما يَرْجِعُ إلى اللفظِ، كما في نحوِ: أُجَيْمَالٌ بالجيمِ تصغيرُ إِجْمَالٍ. أوْ إلى المعنى، كما في نحوِ: حائضٌ. (أوْ) يَحوزَ الاسمُ (عِلَّةً) واحدةً (تُغْنِي عن اثنتينِ) من الْعِلَلِ، فلا بُدَّ منْ عِلَّتَيْنِ معًا أوْ عِلَّةٍ تَقومُ مَقامَ العِلَّتَيْنِ. وإنَّما لمْ يَكْتَفِ بعِلَّةٍ واحدةٍ إلَّا إذا أَغْنَتْ عن اثنتينِ؛ لأنَّ مشابَهةَ الاسمِ للفعْلِ غيرُ قويَّةٍ وغيرُ ظاهِرَةٍ، فلا تَثْبُتُ إلَّا بعِلَّتَيْنِ أوْ بعِلَّةٍ تَقومُ مَقامَ العِلَّتَيْنِ. وقدْ بَيَّنَ الناظِمُ ذلكَ على اللَّفِّ والنَّشْرِ المشوَّشِ بقولِهِ:
(فأَلِفُ التأنيِثِ) مقصورةً كانتْ، وهيَ أَلِفٌ لَيِّنَةٌ كما في حُبْلَى، أوْ مَمدودةً، وهيَ أَلِفٌ قَبْلَها أَلِفٌ قُلِبَتْ هيَ همزةٌ كما في صَحْرَاءَ، (أَغْنَتْ) عنْ عِلَّتَيْنِ حالَ كونِها (وَحْدَها) ، وإنَّما أَغْنَتْ عنْ عِلَّتَيْنِ؛ لأنَّها دالَّةٌ على التأنيثِ ولازِمَةٌ لِمَا هيَ فيهِ.
فالتأنيثُ بمنزِلَةِ عِلَّةٍ وهيَ تَرْجِعُ إلى المعنى، واللُّزومُ بَمَنْزِلَةِ عِلَّةٍ أُخْرَى وهيَ تَرْجِعُ إلى اللفظِ. وعُلِمَ منْ ذلكَ أنَّ الفتحةَ تُقَدَّرُ في نحوِ: حُبْلَى، جَرًّا، كما تُقَدَّرُ في ذلكَ نَصْبًا، وهذا مَذْهَبُ الجمهورِ. وذَهَبَ ابنُ فَلاحٍ اليمَنِيُّ إلى أنَّ الْمُقَدَّرَ في ذلكَ جَرًّا إنَّما هوَ الكَسْرَةُ؛ لأنَّهُ لا ثِقَلَ معَ التقديرِ.
(وَ) كذلكَ أَغْنَتْ وحدَها (صيغةُ الجمْعِ الذي قد انْتَهَى) ، بحيثُ لا يُمْكِنُ أنْ يُجْمَعَ جَمْعَ تكسيرٍ بعدَ حصولِه على هذهِ الصيغةِ. وضابِطُه كلُّ جمْعٍ مُكَسَّرٍ بعدَ ألِفِ تكسيرِه حَرفانِ، كمساجِدَ، أوْ ثلاثةٌ أوْسَطُها ساكِنٌ، كمصابيحَ. والتقييدُ بالتكسيرِ لِجَوازِ جَمْعِه جَمْعَ سلامةٍ، كما في صواحبَ؛ فإنَّهُ يَجوزُ جَمْعُه على صَوَاحِبَاتٍ. ووَجْهُهُ أنَّ جَمْعَ السلامةِ لَمَّا كانَ لا يُغَيِّرُ الصيغةَ لمْ يَضُرَّ في نهايةِ الجمعيَّةِ، وإنَّما أَغْنَتْ صيغةُ مُنْتَهى الْجُموعِ عنْ عِلَّتَيْنِ؛ لأنَّ الجمعيَّةَ بِمَنْزِلَةِ عِلَّةٍ هيَ تَرْجِعُ إلى المعنى، وكونَهُ أَقْصَى بِمَنْزِلَةِ عِلَّةٍ أُخْرَى، وهيَ تَرْجِعُ إلى اللفظِ.
وخَرَجَ بقولِنا: أوْسَطُها ساكنٌ، نحوَ: ملائكةٍ؛ لأنَّ أَوْسَطَ الثلاثةِ فيهِ مُتَحَرِّكٌ. وبعضُهم أخْرَجَهُ باشتراطِ أنْ لا يكونَ في أخرى هذا الجمْعِ تاءُ التأنيثِ.
ولَمَّا بَيَّنَ العِلَّةَ التي تَقومُ مَقامَ العِلَّتَيْنِ شَرَعَ يُبَيِّنُ العِلَّتَيْنِ فقالَ:
(والعِلَّتَانِ) إمَّا (الوَصْفُ) ، أَي: الوَصْفِيَّةُ، ولوْ عَبَّرَ بها لكانَ أَوْلَى؛ لأنَّ الوَصْفَ هوَ الاسمُ، بخِلافِ الوَصْفِيَّةِ؛ فإنَّها كونُ الاسمِ يَدُلُّ على حالٍ منْ أحوالِ الذاتِ، (مَعْ) ، بسكونِ العَيْنِ للضرورةِ، (عَدْلٍ) ، وهوَ في اللغةِ نَقيضُ الْجَوْرِ، ويُطْلَقُ على الْمَيْلِ عن الطريقِ وعلى غيرِ ذلكَ، وفي الاصطلاحِ: تحويلُ الاسمِ عنْ صيغتِه الأصلِيَّةِ إلى صِيغةٍ أُخرى لغيرِ إعلالٍ ولا إِلحاقٍ معَ اتِّحادِ المعنى.