فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 92

وأَشارَ بقولِهِ: (عُرِفْ) ، إلى أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَدُلَّ عليهِ دليلٌ غيرُ مَنْعِ الصرْفِ، وهوَ العدْلُ التحقيقيُّ، كما في {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} . ومَحَلُّ اشتراطِ ذلكَ في العَدْلِ الذي معَ الوَصْفِيَّةِ، بخِلافِ الذي معَ العَلَمِيَّةِ، فإنَّهُ لا يُشتَرَطُ فيهِ ذلكَ؛ ولذلكَ اكْتَفَوْا معها بالعَدْلِ التَّقْدِيرِيِّ، وهوَ الذي لا يَدُلُّ عليهِ دَليلٌ إلَّا مَنْعُ الصرْفِ، كما في عُمَرَ؛ فإنَّهم لَمَّا لمْ يَجِدُوا فيهِ عِلَّةً أخرى معَ العَلَمِيَّةِ قَدَّرُوا أنَّهُ مَعدولٌ عنْ عَامِرٍ؛ لِئَلَّا يَلْزَمُ خَرْمُ ما هوَ القاعدةُ منْ أنَّ الاسمَ لا يكونُ مَمْنُوعًا من الصرْفِ إلَّا لعِلَّتَيْنِ أوْ عِلَّةٍ تَقومُ مَقامَ العِلَّتَيْنِ، (أوْ) الوَصْفُ معَ (وَزْنِ فِعْلٍ) ، أَيْ: معَ كونِ الاسمِ على وَزْنِ فِعْلٍ ما، كما في أَحْمَرَ وأَفْضَلَ، (أوْ) الوصْفُ الْمُلْتَبِسُ (بنونٍ وأَلِفْ) زَائِدَتَيْنِ، كما في سَكْرَانَ وعَطْشَانَ.

وقد اخْتَلَفَ النُّحَاةُ، فعندَ الأكثَرِ أنَّهُ يُشْتَرَطُ في ذلكَ أنْ لا يكونَ لهُ مؤنَّثٌ على وَزنِ فَعْلَانَةَ، وقيلَ: الشرْطُ أنْ يكونَ لهُ مُؤَنَّثٌ على وَزنِ فَعْلَى. ويَظْهَرُ أثَرُ الْخِلافِ فيما لا مُؤَنَّثَ لهُ أصْلًا كرَحْمَنَ، فَعَلَى الأوَّلِ يُمْنَعُ من الصرْفِ بخِلافِه على الثاني.

(تنبيهٌ) : يُشتَرَطُ في الوَصفيَّةِ حتَّى تَمْنَعَ الصرْفَ معَ عِلَّةٍ أخرى أنْ تكونَ أصْلِيَّةً بحيثُ يكونُ اللفظُ مَوضوعًا للمعنى الوَصْفِيِّ، وإنْ غَلَبَتْ عليهِ الاسْمِيَّةُ فلا نَظَرَ إلى الاسْمِيَّةِ العارِضَةِ كما لا نَظَرَ إلى الوَصفيَّةِ العارِضَةِ؛ ولذلكَ قالَ ابنُ مالكٍ:

وَأَلْغِيَنَّ عارِضَ الوَصْفِيَّةْ ... * ... كأَرْبَعٍ وعارِضَ الاسْمِيَّةْ

(وهذهِ الثلاثُ) ، التي هيَ العَدْلُ ووَزْنُ الفعْلِ والألِفُ والنونُ الزائدتانِ، كما تَمْنَعُ معَ الوصفيَّةِ (تَمْنَعُ) معَ العَلَمِيَّةِ، (العَلَمْ) ، فالعَدْلُ معَ العَلَمِيَّةِ كما في عُمَرَ؛ لأنَّهُ مَعدولٌ عنْ عامِرٍ كما تَقَدَّمَ.

وقدْ نُقِلَ عن السَّعْدِ التَّفْتَازَانِيِّ أنَّ رَجَبَ وصَفَرَ إذا لمْ يُرَدْ بهما مُعَيَّنٌ صُرِفَا، وإنْ أُرِيدَ بهما مُعَيَّنٌ مُنِعَا من الصرْفِ، فيكونُ المانِعُ لهما حينئذٍ العَلَمِيَّةَ والعَدْلَ؛ لأنَّهما مَعْدُولانِ الرَّجَبِ والصَّفَرِ. وعلى هذا، فرَجَبٌ في حديثِ (( مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَجَبٍ ) )مُنْصَرِفٌ؛ لأنَّ المرادَ بهِ غيرُ مُعَيَّنٍ.

ووَزْنُ الفعْلِ معَ العَلَمِيَّةِ كما في أحمدَ ويزيدَ وشَمَّرَ أعلامًا، والألِفُ والنونُ الزائدتانِ معَ العَلَمِيَّةِ كما في عِمرانَ وعُثمانَ وحَمْدَانَ. وخَرَجَ بقولِنا: الزائدتانِ، الألِفُ والنونُ الأصلِيَّتانِ واللتانِ إحداهُما أَصْلِيَّةٌ كما في مُستعانٍ. وإنْ تَجَاذَبَهُ أَصلانِ الصَّرْفُ وعَدَمُه سِيَّانِ، وذلكَ نحوَ: شَيطانٌ؛ فإنَّهُ إنْ أُخِذَ منْ شَطَنَ بمعنى بَعُدَ كانَ مُنْصَرِفًا؛ لأصالةِ النونِ حينئذٍ، وإنْ أُخِذَ منْ شَاطَ بمعنى احْتَرَقَ، كانَ مَمنوعًا من الصرْفِ؛ ولذلكَ لَمَّا قيلَ لبعضِهم: هلْ عَفَّانُ مصروفٌ أوْ ممنوعٌ من الصرْفِ؟ أجابَ بقولِهِ: إنْ هَجَوْتَهُ صَرَفْتَهُ؛ لأنَّهُ حينئذٍ من العُفُونَةِ، وإنْ مَدَحْتَهُ مَنَعْتَهُ من الصرْفِ؛ لأنَّهُ حينئذٍ من العِفَّةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت