أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ ... * ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ
وقدْ عَرَّفُوا المفردَ بأنَّهُ ما لا يَدُلُّ جزؤُهُ على جزءِ معناهُ، نحوَ: زيدٌ، فَإِنَّ جُزْأَهُ كالزايِ لا يَدُلُّ على جزءِ معناهُ، والمُرَكَّبَ بِأَنَّهُ ما يَدُلُّ جُزْؤُهُ على جزءِ معناهُ، نحو: غلامُ زيدٍ، فإنَّ جُزْأَهُ كالغلامِ يَدُلُّ على جزءِ معناهُ، واعْتُرِضَ ذلكَ بأنَّ فيهِ خَلْطَ اصطلاحٍ باصطلاحٍ، فإنَّ ما ذَكَرُوهُ هو اصطلاحُ المناطقةِ، وأمَّا اصطلاحُ النُّحَاةِ الذي الكلامُ فيهِ فهو أنَّ المفردَ ما تَلْفِظُ بهِ مَرَّةً واحدةً كزيدٍ، والمُرَكَّبَ ما تَلْفِظُ بهِ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ كَغُلَامِ زيدٍ، وعلى الأَوَّلِ فعبدُ اللهِ عَلَمًا من قبيلِ المفردِ بخلافِهِ على الثاني، ولَمَّا ذَكَرَ تعريفَ الكلمةِ ذَكَرَ أَنَّهَا تَنْقَسِمُ إلى الاسمِ والفعلِ والحرفِ، فقالَ: (لاسمٍ وفعلٍ ثم حرفٍ تَنْقَسِمُ) أي الكلمةُ فهيَ المُقَسَّمُ, وكلٌّ من الاسمِ أو الفعلِ أو الحرفِ قِسْمٌ منها، وكلٌّ من الثلاثةِ قَسِيمٌ لِأَخَوَيْهِ، فَفَرْقٌ بينَ المُقَسَّمِ والقِسْمِ والقَسِيمِ، إذ المُقَسَّمُ هو المَحَلُّ الذي وَرَدَتْ عليهِ القسمةُ، والقسمُ ما كانَ مُنْدَرِجًا تحتَ الشيءِ وَأَخْصَّ منهُ، والقَسِيمُ ما كانَ مُبَايِنًا للشيءِ وَمُنْدَرِجًا معهُ تَحْتَ أَصْلٍ كُلِّيٍّ، فإذا قَسَّمْتَ الحيوانَ إلى إنسانٍ وحمارٍ وفَرَسٍ مثلًا، كانَ الحيوانُ مُقَسَّمًا, وكلٌّ من هذهِ الثلاثةِ قِسْمًا مِنْهُ، وكلٌّ منها قَسِيمًا لِلْآخَرَيْنَ، ولا يَخْفَى أنَّ الجارَّ والمجرورَ مُتَعَلِّقٌ بالفعلِ بَعْدَهُ، وثم فِي قولِهِ ثم حرفٍ بِمَعْنَى الواوِ؛ إذ لا مَعْنَى للتراخِي بينَ الأقسامِ، لا يُقَالُ: بلْ لهُ معنًى, وهو الإشعارُ بانحطاطِ درجةِ الحرفِ عن قسيمَيْهِ؛ لِأَنَّا نقولُ: يَكْفِي في ذلكَ ترتيبُ الناظمِ لها في الذكرِ على حَسَبِ تَرْتِيبِهَا في الشرفِ، والنَّحْوِيُّونَ مُجْمِعُونَ على انْحِصَارِ الكلمةِ في الثلاثةِ، ولا الْتِفَاتَ إلى مَن زادَ رابِعًا, وَسَمَّاهُ خالِفَةً، وعَنَى بذلكَ اسمَ الفعلِ؛ لأنَّ ما زادَهُ داخلٌ في أَوَّلِ الثلاثةِ وهو الاسمُ، كما يُنَادِي عليهِ تَسْمِيَتُهُ باسمِ الفعلِ.
*واعْلَمْ أنَّ تقسيمَ الكلمةِ إلى هذهِ الأقسامِ من تقسيمِ الكُلِّيِّ إلى جُزْئِيَّاتِهِ؛ إذْ يَصِحُّ الإخبارُ بالمُقَسَّمِ عن كلٍّ من الأقسامِ كَمَا هو ضابطُ ذلكَ فَيَصِحُّ أنْ يُقَالَ: الاسمُ كلمةٌ وهكذا, لا مِن تَقْسِيمِ الكلِّ إلى أجزائِهِ؛ إذْ لا يَصِحُّ تحليلُ المُقَسَّمِ إلى أقسامِهِ، كما هو ضابطُ ذلكَ، كما في تَقْسِيمِ الحصيرِ إلى خَيْطٍ وسُمُرٍ فإنَّهُ يَصِحُّ تحليلُ المُقَسَّمِ, وهو الحصيرُ إلى أقسامِهِ, وهو الخيطُ والسُّمُرُ.
(تَنْبِيهٌ) : الحرفُ الذي هو قسيمُ الاسمِ والفعلِ إِنَّمَا هو الحرفُ الذي جاءَ لمعنًى كَمِنْ وَفِي وَعَنْ, فَكَانَ على الناظمِ أنْ يُقَيِّدَهُ بذلكَ كما صَنَعَ الأصلُ احْتِرَازًا من الحرفِ الذي لم يَجِئْ لمعنًى، وهو أ- ب- ت - ث إلى آخرِهَا، وهذه تُسَمَّى حُرُوفَ المَبَانِي، وأما السابقةُ فَتُسَمَّى حروفَ المعانِي، وإنَّمَا قُلْنَا أ- ب- ت- ث إلى آخرِهَا, ولم نَقُلْ ألف باء تاء ثاء إلى آخرِهَا؛ لأَنَّ تلكَ هي حروفُ التَّهَجِّي الحقيقيةُ بخلافِ هذهِ فإنَّهَا أسماءٌ لتلكَ، ولهذا لَمَّا قالَ الخليلُ لأصحابِهِ: كيفَ تَنْطِقُونَ بالجِيمٍ من جَعْفَرٍ، فقالوا: جِيمٌ. قالَ: إِنَّمَا نَطَقْتُمْ بالاسمِ, ولم تَنْطِقُوا بالمَسْؤُولِ عنهُ، والجوابُ: ج؛ لِأَنَّهُ المُسَمَّى، لكنْ يَجِبُ زيادةُ هاءِ السَّكْتِ لضرورةِ الوقفِ، فَيُقَالُ: جَهْ.