*أُجِيبَ بِمَا قَالَهُ بعضُهُم من أنَّ الجنسَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا جنسٌ أَعَمُّ من الفصلِ عُمُومًا مُطْلقًا، وهذا هو الذي لا يَخْرُجُ بهِ, وَثَانِيهَا جنسٌ أَعَمُّ من الفصلِ عُمُومًا من وجهٍ، وهذا يَخْرُجُ بهِ من جهةِ خصوصِهِ ما دَخَلَ الفصلَ من جهةِ عمومِهِ، واللفظُ في هذا المقامِ مع المفيدِ بهذهِ المثابةِ فلذلكَ أُخْرِجَ بهِ، والفصلُ الأَوَّلُ هو قولُهُ (مُفِيدٌ) ، وهو من الإفادةِ بِمَعْنَى تحصيلِ الفائدةِ إِنْ لم تَكُنْ حاصلةً, والْتِفَاتُ النفسِ إِلَيْهَا إنْ كانتْ حَاصِلَةً فلا يُشْتَرَطُ تَجَدُّدُ الفائدةِ على الصحيحِ، وعليه فَمَا كانَ مَعْلُومًا للمخاطَبِ نحوَ: السماءُ فَوْقَنَا والأرضُ تَحْتَنَا من الكلامِ خِلَافًا لِمَا جَرَى عليهِ بعضُ شُرَّاحِ الأصلِ.
وخَرَجَ بالمفيدِِ ما ليسَ مُفِيدًا كجملةِ الشرطِ نحوَ: (إنْ قامَ زيدٌ) ؛ لأنَّ الفائدةَ لا تَتِمُّ إلَّا بالجوابِ نحوَ: يَقُمْ عمرٌو أو فَعَمْرٌو قائمٌ.
والفصلُ الثاني هو قولُهُ (مُسْنَدٌ) وهو والإسنادُ بِمَعْنَى ضَمِّ كلمةٍ إلى أُخْرَى على وجهٍ يُفِيدُ، كَضَمِّ الفعلِ إلى فاعلِهِ نحوَ: قامَ زيدٌ، وَضَمِّ الخبرِ إلى المبتدأِ نحوَ: زيدٌ قائمٌ، وخرجَ بالمسندِ ما ليسَ مُسْنَدًا من المفردِ كزيدٍ، والمرَكَّبُ الإضافيُّ كعبدِ اللهِ، والمَزْجِيُّ كَبَعْلَبَكَّ فَتَعْبِيرُ الناظمِ بالمُسْنَدِ أَوْلَى من تعبيرِ الأصلِ بالمُرَكَّبِ؛ لأَنَّهُ يَشْمَلُ الإسنادِيَّ, وهو المرادُ هنا، والإضافيَّ والمَزْجِيَّ، وقد أَغْفَلَ الناظمُ فَصْلًا آخَرَ ذَكَرَهُ الأصلُ، وهو أنْ تكونَ إفادتُهُ بالوضعِ، خَرَجَ بذلكَ ما لَا تَكُونُ إفادتُهُ بالوضعِ, كأنْ تكونَ بالعقلِ كاللفظِ الذي أَفَادَ حياةَ المتكلِّمِ من وراءِ جدارٍ، فإنَّهُ بالنظرِ لذلكَ لا يُسَمَّى كلامًا، وهذا على ما قالَهُ الجمهورُ من تفسيرِ الوضعِ بِجَعْلِ شيءٍ بإزاءِ شيءٍ آخَرَ، بِحَيْثُ إذا فُهِمَ الأوّلُ فُهِمَ الثاني، وَأَمَّا على ما قالَهُ بعضُهُم من تفسيرِهِ بالقصدِ، فَيَخْرُجُ بهِ ما لَا تكونُ إفادتُهُ مقصودةً كاللفظِ الذي يَخْرُجُ من النائمِ والساهِي والطيورِ المُعَلَّمَةِ، فإنَّ ذلكَ كُلَّهُ لا يُسَمَّى كلامًا على هذهِ الطريقةِ.
*ولَمَّا فَرَغَ من تعريفِ الكلامِ شَرَعَ في تعريفِ الكلمةِ، فقالَ: (والكِلْمَةُ) بِكَسْرِ الكافِ وسكونِ اللامِ على وزنِ سِدْرَةٍ, كما هو إِحْدَى اللُّغَاتِ الثلاثِ فيها، وثانيها كَلِمَةٌ بفتحِ الكافِ وكسرِ اللامِ على وزنِ نَبِقَةٍ، وثالثُها كَلْمَةٌ بفتحِ الكافِ وسكونِ اللامِ على وزنِ تَمْرَةٍ, وهذهِ اللغاتُ تَجْرِي في كلِّ ما كانَ على وزنِ فَعِل نحوَ: كَبِدٌ وكَتِفٌ، فإنْ كانَ وَسَطُهُ حَرْفًا حَلْقِيًّا جازَ فيهِ لغةٌ رابعةٌ, وهي إِتْبَاعُ فائِهِ لِعَيْنِهِ في الكسرِ اسْمًا كانَ نحوَ: فِخِذٌ، أو فِعْلًا نحوَ: شِهِدَ.
وقد اشْتَمَلَ التعريفُ على جنسٍ وفصلٍ كما تَقَدَّمَ في تعريفِ الكلامِ، فالجنسُ هو قولُهُ (اللفظُ) وقد تَقَدَّمَ الكلامُ عَلَيْهِ قريبًا، وَلَمَّا أَخَذَ اللفظُ جنسًا في التعريفِ احْتَاجَ إلى التقييدِ بـ (المفيدِ) وهو الفصلُ الأَوَّلُ احْتِرَازًا من غيرِ المفيدِ, وهو المُهْمَلُ كَدَيزٍ مَقْلُوبِ زَيْدٍ؛ فإنَّ اللفظَ كما يُطْلَقُ على المفيدِ وهو الموضوعُ لِمَعْنًى يُطْلَقُ على غيرِ المفيدِ وهو المُهْمَلُ كما عَرَفْتَ ومَن أَخَذَ القولَ جِنْسًا في التعريفِ كابنِ هشامٍ لم يَحْتَجْ إلى التقييدِ بالمُفِيدِ احترازًا من غيرِ المفيدِ؛ لأنَّ القولَ خاصٌّ بالمفيدِ, كما يُعْلَمُ من تعريفِهِ الآتِي، والفصلُ الثاني هو قولُهُ (المُفْرَدُ) وخَرَجَ بهِ المُرَكَّبُ فلا يُسَمَّى كَلِمَةً إلَّا مَجَازًا مُرْسَلًا, كما في قولِهِ تعالَى: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} .، والضميرُ راجعٌ لقولِهِ: {رَبِّ ارْجِعُونَ} إلخ، وكما في قولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كلمةُ لَبِيدٍ: