الصفحة 37 من 47

حكي لها هذا الحديث.

وحديث أم سلمة يدل على من أراد أن يضحي فليمسك في العشر عن أخذ شعره وظفره خاصة فلا منافاة بينهما.

ولهذا كان الإمام أحمد وغيره يعمل بكلا الحديثين هذا في موضعه وهذا في موضعه.

ولو قدر بطريق الفرض تعارضهما لكان حديث أم سلمة خاصًاُ وحديث عائشة عامًا، ويجب تنزيل العام على ما عدا مدلول الخاص توفيقًا بين ا لأدلة [1] .

ويجب حمل حديث عائشة على غير محل النزاع لوجوه منها:

أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليفعل ما نهى عنه وإن كان مكروهًا، قال تعالى إخبارًا عن شعيب"وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ" [2] .

ولأن أقل أحوال النهي أن يكون مكروهًا ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليفعله فيتعين حمل ما فعله في حديث عائشة على غيره.

ولأن عائشة تعلم ظاهرًا ما بياشرها به من المباشرة، أو ما يفعله دائمًا كاللباس والطيب، فأما ما يفعله نادرًا كقص الشعر وقلم الأظافر مما لا يفعله في الأيام إلا مرة، فالظاهر أنها لم ترده بخبرها، وإن احتمل إرادتها إياه فهو احتمال بعيد، وما كان هكذا فاحتمال تخصيصه قريب فيكفي فيه أدنى دليل، وخبر أم سلمة دليل قوي فكان أولى بالتخصيص، ولأن عائشة تخبر عن فعله وأم سلمة عن قوله والقول يقدم على الفعل لاحتمال أن يكون فعله خاصًاُ له [3] .

ورد قياسهم: بأنه فاسد مصادم للنص، ومعلوم أن رد القياس بصريح السنة أولى من رد السنة بالقياس.

وتحريم النساء والطيب واللباس أمر يختص بالإحرام لا يتعلق بالأضحية، وأما تقليم الظفر وأخذ الشعر فإنه من تمام التعبد بالأضحية، كما في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ولكن تأخذ من شعرك وتحلق عانتك فتلك تمام أضحيتك عند الله" [4] .

فأحب النبي صلى الله عليه وسلم توفير الشعر والظفر في العشر ليأخذه مع الضحية فيكون ذلك من تمامها عند الله [5] .

الترجيح:

بعد هذه المناقشة يبدو لي - والله أعلم -رجحان مذهب من قال بالتحريم لقوة أدلتهم.

فرع: من أخذ من شعره أو ظفره في العشر وهو يريد الأضحية فليس عليه إلا التوبة ولا فدية إجماعًا [6] .

(1) تهذيب الإمام ابن قيم 4/ 98.

(2) هود 88.

(3) المغني 11/ 96، شرح الزركشي 7/ 9.

(4) رواه أبو داود، وضعفه الألباني، انظر: ضعيف سنن أبي داود، كتاب الضحايا، باب ما جاء في إيجاب الأضاحي 215.

(5) تهذيب الإمام ابن قيم 4/ 99.

(6) شرح الزركشي 7/ 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت