قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال"اللهم ارحم المحلقين"قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: ..."والمقصرين" [1] .
وجه الدلالة:
أن الحلق لو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل كالمباحات [2] .
3 -أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلوه في جميع حجهم وعمرهم، ولم يخلوا به ولو لم يكن نسكًا لما داوموا عليه، بل لم يفعلوه، لأنه لم يكن من عاداتهم فيفعلوه عادة، ولا فيه فضل فيفعلوه لفضله [3] .
وأجمعوا على أن الحلق أفضل من التقصير [4] .
وذلك للآية ولحديث ابن عمر السابق.
والحديث يدل على أن الحلق أفضل من التقصير لتكريره صلى الله عليه وسلم الدعاء للمحلقين وترك الدعاء للمقصرين في المرة الأولى والثانية مع سؤالهم ذلك [5] .
-وكون الحلق أفضل من التقصير إنما هو بالنسبة للرجال خاصة، أما النساء فليس عليهن حلق وإنما عليهن التقصير [6] .
قال ابن المنذر: وأجمعوا أن ليس على النساء حلق [7] .
لحديث ابن عباس"ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير" [8] .
ولأن في حلق النساء شعورهن مثلة [9] ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة [10] .
-و أجمع العلماء على أن التقصير مجزئ [11] ، ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يكفي في الحلق والتقصير إلى مذاهب:
أولًا - الحنفية:
ذهب الحنفية إلى أن المجزئ في الحلق ربع الرأس ويكره.
أما الجواز، فلأن ربع الرأس يقوم مقام كله في القرب المتعلقة بالرأس كمسح ربع الرأس في باب الوضوء، وأما الكراهة، فلأن المسنون هو حلق جميع الرأس وترك المسنون مكروه.
أما التقصير فالتقدير فيه بالأنملة، ويجب أن يزيد في لتقصير على قدر الأنملة، لأن الواجب هذا القدر من أطراف جميع الشعر، وأطراف جميع الشعر لا يتساوى طولها عادة بل تتفاوت، فلو قصر قدر الأنملة لا يصير مستوفيًا قدر الأنملة من جميع الشعر بل من بعضه، فوجب أن يزيد عليه حتى يستفين باستيفاء قدر الواجب فيخرج عن العهدة بيقين [12] .
ثانيًا - المالكية:
ذهب المالكية إلى حلق جميع الرأس فلا يكفي بعضه ولو أكثره.
وفي التقصير يأخذ الرجل المقصر من قرب أصله.
قال الباجي، قال مالك: ليس تقصير الرجل أن يأخذ من أطراف شعره ولكن يجزّ ذلك، وليس مثل المرأة فإن لم يجزه وأخذ منه فقد أخطأ ويجزئه [13] .
أما المرأة فتقص جميع شعرها طويله وقصيره قدر الأنملة أو أزيد أو أنقص منها بيسير، فليست الأنملة تحديدًا لا بد منه [14] .
قال الباجي: قال مالك: ليس لذلك عندنا حد معلوم وما أخذت منه أجزأها، و لابد أن تعم بالتقصير الشعر كله طويله وقصيره، والدليل على ذلك أنها عبادة تتعلق بالرأس، فكان حكمها فيه الاستيعاب كالمسح في الوضوء [15] .
3 -الشافعية:
ذهب الشافعية إلى أنه يجزئه في الحلق والتقصير أن يحلق أو يقصر ثلاث شعرات فصاعدًا، فأما دون الثلاث فلا يجزئه، لأن اسم الجمع المطلق لا ينطلق عليه، والأفضل أن يقصر من جميعه إن أراد التقصير [16] .
وتقصر المرأة من كل قرن مثل الأنملة [17] .
رابعًا - الحنابلة:
ذهب الحنابلة إلى أنه يلزمه التقصير أو الحلق من جميع شعره، وكذلك المرأة، ويقصر قدر الأنملة، لأنه نسك تعلق بالرأس فوجب استيعابه به كالمسح [18] .
وأظهر هذه الأقوال أنه يلزم حلق جميع الرأس، أو تقصير جميعه، ولا يلزم في التقصير تتبع كل شعرة، لأن فيه مشقة كبيرة، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة، وأنه لا يكفي الربع ولا ثلاث شعرات، لأن الله تعالى يقول"مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ" [19] ، ولم يقل بعض رؤوسكم، و" (( (( (( (( (( (( " [20] ، أي رؤوسكم لدلالة ما
(1) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال 1/ 425.
(2) المغني 3/ 459.
(3) المغني 3/ 459.
(4) المجموع 8/ 209، المبسوط 4/ 70.
(5) تحفة الأحوذي 3/ 660.
(6) أضواء البيان 5/ 403.
(7) الإجماع 53، المجموع 8/ 207، سبل السلام 2/ 750.
(8) قال النووي: رواه أبوداود بإسناد حسن، وصححه الألباني.
انظر صحيح سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب الحلق والتقصير 1/ 555، المجموع 8/ 197.
(9) المهذب 1/ 325، المجموع 8/ 210.
(10) انظر: صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ما يكره من المثلة 3/ 481.
(11) المجموع 8/ 209.
(12) بدائع الصنائع 2/ 141.
(13) المنتقى 3/ 29.
(14) جواهر الإكليل 1/ 182،، حاشية العدوي 1/ 479.
(15) المنتقى 3/ 29.
(16) كتاب الحج من الحاوي 2/ 647، المهذب 1/ 235، المجموع 8/ 199.
(17) المجموع 8/ 211.
(18) المغني 3/ 412.
(19) الفتح 27.
(20) الفتح 27.